صدى استشهاد شيخ المجاهدين في العالم الإسلامي


بقلم : احمد الحوتي

وقع هذا الحدث المؤلم من نفوس المسلمين جميعاً موقع الألم والاستنكار واستفظعوا أعمال الطليان بهذا البطل المغوار الذي حاربهم محاربة شريفة طوال عشرين سنة ونازلهم في ميدان الدفاع عن الشرف والعرض والوطن واحتجت جميع الأمم الإسلامية على هذا التصرف المعيب من ناحية الطليان الطغاة والذي لا يتفق مع التقاليد الدولية ونحن من خلال هذا البحث نسلط الضوء على صدي استشهاد البطل المجاهد عمر المختار في العالم الإسلامي.
أولاً : مصر
الزمان : 2 رجب 1350 هـ الموافق 9 نوفمبر 1931 م.
المكان : منزل المرحوم حمد باشا الباسل – بسراي القبة – القاهرة.
دعي المرحوم حمد باشا الباسل الأمراء والوزراء وأعيان الكُتاب والشعراء ووجهاء سوريا والمفكرين من شتى أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي وكان هذا الاحتفال يعلوه جلال المدعوين ومهابة المحتفل به وبينما المدعوون على وشك الوصل إلى محل الاحتفال إذا صدرت الأوامر بمنعهم وأحيطت دار المرحوم حمد باشا الباسل بسياج من الجنود يمنعون الوافدين من الدخول إليها وقد بذل المرحوم الباسل قصارى جهده للاحتفاظ بحقه في إقامة هذا الاحتفال، ولكن شاء الله تعالى خلاف ما أراد ولعبت السياسة دورها … قاتلها الله.
وقد استهل حفل التأبين بكلمة للأمير عمر طوسون (1)، فقال : حضرة صاحب السعادة حمد الباسل باشا: إن الموتة الشنعاء والقتلة النكراء التى راح فيها الزعيم العربي الكبير والمسلم الصادق المجاهد الخطير السيد عمر المختار ضحية حبه لبلاده وذوده عن

شرفه ووطنه لم يزل أثرها العميق ولن يزال في قلبنا وقلب كل شرقي دامياً نثارا والدم الذكى الذى أريق من هذا الشهيد العظيم دم غير مطلو مادام في الشرق والشرقيين عرق ينبض وعين تطرف فقيامكم برثائه وتأبينه في حفل حافل يليق بمقام هذا الرحل الكريم يقابل منا ومن كل ذى شعور حى بأجزل الشكر وأوفر الثناء لأنكم بذلك قمتم بالمفروض علينا نحن المصريين جميعا له ولإخواننا المجاهدين البرقاويين الذين لم تكل سواعدهم في الدفاع عن وطنهم طوال هذه السنين ولم يتطرق الخور إلى نفوسهم من عدوهم القوى وعَددَه وعِددِه، حتى أصبحوا بحق مضرب المثل والإقدام، والصبر على المجاهدة وإيثار الوطن على النفس والمال، فتصوروا كيف تكون غيبتنا عن مشاهدة هذه الحفلة التى نصبوا إليها من صميم قلبنا داعية لأسفنا، ولكنها الأعذار الملجئة تحول بين المرء وما يشتهى، فنرجو أن يكون في هذا الكتاب ما يعبر عن اشتراكنا معكم في هذا العمل الجليل أصدق تعبير وإننا ننتهز هذه الفرصة ونهديكم وجميع المشتركين معكم في هذا الواجب أطيب التحية والسلام.
9 نوفمبر سنة 1931 عمر طوسون
فقام بعدها المرحوم حمد باشا الباسل وقال : "سادتى الأجلاء، شكراً للأمير عمر على نبيل عاطفته ورقيق كلمته، ثم شكراً جزيلاً لكم لما تجشمتم من مشقة الحضور إلى هنا لمشاركتنا في إحياء ذكرى الشهيد الكبير عمر المختار، وشكراً كثيراً للمثل الأعلى الذي ضربتموه لكل أمم الشرق في احتفائكم به والإشادة بذكراه، ولكن لا عجب فأنتم فخر مصر وصفوة العرب ورجالات الشرق العاملين.
ليست صلة القربى، ولا أواصر النسب، ولا عروة الأسرة التى تجمع بين الماثل أمام حضراتكم وبين الشهيد العظيم هى التى دفعتنى إلى التقدم برغبتى في تفضلكم بالمشاركة في الاحتفاء بذكراه والترحم عليه.
كلا أيها السادة، إنما كان الحافز والدافع علاقة أسمى وأنبل، ورابطة أعلى وأفضل. تلك هى صلة قرباكم أنتم رجال مصر، وزعماء الشرق وحماة الإسلام، وكماة العرب بالشهيد العظيم. أجل إنها صلة قرباكم أنتم به أو قرباه بكم، هى وحدها سر اجتماعنا لنقدس فيه وفيكم تلك المعانى السامية التي تربطكم به وتحبونها فيه، من حب للبلاد عظيم وشجاعة في الحق لا تخمد، ووفاء وأمانة وصبر وثبات وإقدام وتضحية تحيون فيه هذه الصفات لأنكم ترونها فيه وفي أنفسكم، إنما هى دعائم الحياة وسر الوجود، ففي ذكرها حياة وفي طمسها موت.

وما كان عمر المختار ممن يعملون للعاجلة، وما كان ممن يسلب نهاهم حطام الدنيا وفتنتها، بل لقد خرج عنها كما دخل فيها إلا بذكرى الجهد الجهيد، والكفاح الشديد والأثر المجيد، ثم بالموت شهيداً ولسان حاله يقول :
ولست أبالى حين أقتل مؤمنا على أى جنب كان في الله مصرعى
أجل أيها السادة جهابذة العرب وصناديد الإسلام هذه هى صلة القربى الدائمة التى تصل أرواحكم بروحه وحياتكم بحياته ودماءكم بدمائه، فما مات من أنتم ذاكروه، ولا قتل من أنتم ناصروه.
أيها السادة :
أنا لا أريد أن أتعدى بكلمة الافتتاح على حقوق حضرات الخطباء المبرزين والشعراء القادرين وأصدقاء الشهيد العظيم الذين يتحدثون بما لهم من صوت أعلى وموهبة أسمى. وقصارى القول أن تاريخ الجهاد الوطني سيسجل في صفحته الباقية للأزمنة القادمة صحيفة عمر المختار ناصعة وضاءة، وسيسجل التاريخ أن عمر المختار الذى حارب اثنين وعشرين عاماً في قلة عَدد وعُدد وقلة مال ورجال، وفي منطقة لا تتجاوز بضعة أميال كان شريفاً في وطنيته، شريفاً في ذوده عن بيضته، شريفاً في معاملة أعدائه وخصومه، شريفاً في حومة الوغى، وكان قنوعاً عيوفاً ذا مروءة وحزم، وصبر وجلد، وكان نبيلاً في وسيلته كما هو نبيل في غايته.
وجماع القول أنه كان يعمل للوطن الخالد لا للطارق والتالد، وأخيراً كان حقيقاً باحتفائكم يا رجال النهضة والحرية والاستقلال.
وأنت يا روح عمر … اسمعي وأنت ترفرفين علينا من ملئك الأعلى حكم الله، في كتاب الله، لجهادك في سبيل الله.
مرثية لأمير الشعراء: أحمد شوقي
ركزوا رفاتك في الرمـال لواء يستنهض الوادى صباح مسـاء
يا ويحهم نصبوا منـاراً من دم توحى إلى جيل الغد البغضـاء
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد بين الشعـوب مودة وأخــاء
جرح يصيح على المدى وضحية تتلمـس الحــرية الحمــراء
يا أيها السيـف المجرد بالفـلا يكسو السيوف على الزمان مضاء
تلك الصحارى غمد كل مهند أبلى فأحسن في العـدو بـلاء
وقبور مـوتى من شباب أميـة وكهـولهم لم يبرحـوا أحيـاء
لو لاذ بالجـوزاء منهم معقـل دخلـوا على أبراجها الـجوزاء
فتحوا الشمال سهوله وجبالـه وتوغلـوا فاستعمروا الخضـراء
وبنوا حضارتهم فطاول ركنهـا دار السلام (2) وجلق (3) الشماء
خيرت فأخترت المبيت على الثرى لم تـبن جـاهاً أو تلـم ثـراء
إن البطولة أن تموت من الظمـا ليس البطـولة أن تعـب المـاء
أفريقيا مهد الأسـود ولحـدها ضجت عليك أراجـلاً ونسـاء
والمسلمون على اختلاف ديارهم لا يملكـون مع المصـاب عـزاء
والجاهليـة من وراء قبورهـم يبكون زيد الخيل والفلحـاء (4)
في ذمـة الله الكـريم وحفظـه جسـد ببرقة وسـد الصحـراء
لم تبق منه رحى الوقائع أعظمـا تبـلى ولم تبـق الرمـاح دماء
كرفات نسر أو بقيـة ضيغـم بـاتـا وراء السـافيـات هباء
بطل البداوة لم يكن يغـزو على تنك (5) ولم يك يركب الأجواء
لكن أخو الخيل حمى صهواتهـا وأدار من أعرافـها الهيجــاء
لبى قضاء الأرض أمس بمهجـة لم تخـش إلا للسمـاء قضـاء
وافـاه مرفـوع الجبـين كأنه سقراط جـر إلى القضـاء رداء
شيـخ تمالك سنـه لم ينفجـر كالطفل من خوف العقاب بكاء
وأخـو أمـور عاش في سرائهـا فتغـيرت فتـوقـع الضـراء
الأسد تزأر في الحديد ، ولن ترى في السجن ضرغام بكى استخداء
وأتى الأسـير يجر ثقل حـديده أسـد يجـرر حيـة رقطــاء
عضت بساقيه القيـود فلم ينـوء ومشت بهيكلـه السنـون فناء
سبعون لو ركبت مناكب شاهـق لترجلـت هضـاته إعيــاء
خفيت على القاضى ، وفات نصيبها من رفـق جنـد قـادة نبـلاء
والسـن تعطف كل قلب مهـذب عـرف الجـدود وأدرك الآباء
دفعـوا إلى الجلاد أغلب ماجـداً يأسو الجراح ويطلـق الأسـراء
ويشاطر الأقـران ذخر سلاحـه ويصـف حول خوانه الأعـداء
وتخـيروا الحبـل المهـين منيـة لليث يلفـظ حـوله الحـوباء
حرموا الممات على الصوارم والقنا من كان يعطى الطعنة النجـلاء
إنى رأيت يد الحضارة أولعـت بالحـق هـدماً تـارة وبنـاء
شرعت حقوق الناس في أوطانهم إلا أبـاة الضيـم والضعفـاء
يأيها الشعـب القريب أسامـع فأصوغ في عمر الشهيـد رثاء
أم ألجمت فاك الخطوب وحرمت أذنيك حين تخاطب الإصغـاء
ذهب الزعيم وأنت باق خـالد فانقذ رجالك واختر الزعمـاء
وأرح شيوخك من تكاليف الوغى واحمل على فتيـانك الأعبـاء
مرثية للشاعر: خليل مطران
أبيت، والسيف يعلو الرأس، تسليما وجدت بالروح جود الحر إن ضيما
تذكر العرب والأحداث منسية ما كان ، إذا ملكوا الدنيا ، لهم خيما
لله يا عمر المختار حكمته في أن تلاقى ما لاقيت مظلوما
إن يقتلوك فما أن عجلوا أجلا قد كان ، مذ كنت ، مقدوراً ومحتوما
هل يملك الحي ، لو دانت له أمم لأمر ربك تأخيراً وتقديماً
لكنها عظة للشرق أوسعها مصابه بك في الإخلاد تجسيما
لعله مستفيق بعد هجعته أو مستقبل من الخسف الذي سيما
أجدر برزئك لم تحذر عواقبه أن يفجع العرب تخصيصاً وتغميما
وأن يؤجج ناراً في حميتهم وأن يرد فرند الصبر مثلوما
هيهات نوفيك ، والأقوال عدتنا حقا ونوفي الصناديد المقاحيما
من الألى صبروا الصبر الجميل وقد ذاقوا الكريهين : تقتيلاً وتكليما
لعل أشقاهم الباقي على أسف وعلى أرواحهم من قر مرحوما
قد أثموكم وكم من مثلة نزلت بالأبرياء وبالأبرار تأثيما
وإنما ذنبكم ذنب الألى جعلوا صدق الهوى للحمى ديناً وتعليما
أمضوا رفاقاً كراماً حسبكم عوضا فخر عزيز على الخطاب إن ربما
قد سرتم في سبيل الخير سيرتكم محققين رجاء خيل موهوما
لا حاكما دون ما أوحت ضمائركم تراقبون ولا ترعون محكوما
يحطم العظم منكم دون بغيتكم فما تهون ويأبى العزم تحطيما
ليس الإرادة إلا من يكون على رأى ومن يتناهى فيه تصميما
ما السجن ؟ حين يذاد الخسف عن وطن بعاره باء في الأوطان موصوما
يغنى من الشمس في أعماق ظلته يرق من الأمل الموموق إن شيما
عدن على طيبها لو شيب كوثرها بظل باغ لعاد الورد مسموما
ما الموت ؟ إن تك منجاة البلاد به من غاصب وانتصاب الشعب مهضوما
هذا هو العيش والقسط العظيم به من خالد الفخر فوق العمر تقويما
إن الفداء لأغلى ما حمدت له أخرى وإن كان في أولاه مذموما
وما اعتدال زمان لا يقوّمه بنوه بالصبر والإقدام تقويما
يا سادة أطلعت مصر بهم شهبا والليل خيم بالأحداث تخيما
فما ونوا للحمى عن واجب وبنوا للمجد فيه طرافاً كان مهدوما
أعزة إن بدا من فضلهم أثر فكم لهم من جميل ظل مكتوما
وللفدى كالندى حال منزهة في حكمها ينفس المجهول معلوما
شاركتم الجار في خطب ألم به وما ادخرتم لشيخ العرب تكريما
كذا تكافئ مصر العاملين بما يعدد الأمانى تمجيداً وتعظيماً
أكرم بها وهى تحنى الرأس هاتفة تحية أيها القتلى وتسليمــا
ثانياً: الشام
أقيمت المآتم للسيد عمر في دمشق وفلسطين وحيفا وطرابلس الشام، وجميع المدن الشامية، وصليت عليه صلاة الغائب في جامع بني أمية، ودعا الخطباء إلى مقاطعة البضائع الإيطالية، وأغلقت الحوانيت وألف الناس مظاهرات طافوا بها شوارع المدن احتجاجاً على قتل السيد عمر. وظهرت جميع المدن الشامية بمظهر الحداد على هذا الرجل العصامي الذي تربطهم به جنسية العروبة وأخوة الإسلام، وتجلت أواصر قربي العروبة في سوريا بما لا مزيد عليه، ولم تقتصر على هذا، بل أرادت أن تخلد ذكرى السيد عمر لتبقى أمام الشبان ماثلة تذكرهم بهذه البطولة العربية المسلمة، قسمت بلدية مدينة غزة شارعاً من أكبر شوارعها (شارع عمر المختار) وسمت فلسطين كشافة مدارسها (كشافة عمر المختار) وغير هذا كثير من مظاهر عطف المدن الشامية على أهل برقة بما أصيبوا به في أموالهم وأنفسهم، وبفقد زعيمهم الذى ماتت بموته حركة دامت اثنتين وعشرين سنة كان يرجى من ورائها تحرير أمة إسلامية وشعب من شعوب العروبة الصادقة.
وكان مما أغضب القنصل الإيطالي في القدس أن تسمى بلدية غزة شارعاً من شوارعها باسم (عمر المختار) فاحتج على هذا العمل فاجتمع حاكم غزة برئيس بلديتها الأستاذ فهمي الحسينى وذكر له اعتراض قنصل إيطاليا على هذه التسمية. فكتب رئيس البلدية إلى حاكم غزة ما نصه:
لكل مدينة شعورها، ويحق لبلدية تلك المدينة إظهار هذا الشعور. فكما أن لبلدية تل أبيب الحق في تمجيد هرتسل وبلفور وغيرهما ممن تسئ ذكراهم غير اليهود فلبلدية غزة أن تمجد الشخص الذي يحمل له الأهلون في قلوبهم أطيب الذكرى وأسمى معاني الاحترام فإذا كانت ذكرى الشهيد عمر المختار تسئ إلى إيطاليا فذلك ما اقترفته إيطاليا نفسها لا بلدية غزة، لذلك فأننى أعتقد أن اعتراض قنصل دولة إيطاليا في غيره محله واقبلوا احترامي. 20 رمضان سنة 1350.
ثالثاً: تونس
وكانت الحال في تونس شبيهة بما ذكرنا في سوريا. فأقيمت صلاة الغائب في تونس على السيد عمر المختار يوم الجمعة 26 جمادى الأول سنة 1350 وتليت آيات الذكر الحكيم لروحه، وأقام الحزب الحر الدستوري في تونس حفلة تأبين كبرى للسيد عمر المختار حضرها كثير من الأعيان والوجهاء وتبارى الخطباء في ذكر مناقب الفقيد وما أبداه من ثبات في الدفاع عن وطنه ومنها قصيدة لشاعر الشباب التونسي السيد محمد أبو رقيبة قال فيها:
مضى عمر المختار لله رافلا بثوب نقـى حيك من خالص الطهـر
مضى عمر المختار لله بعدما قضى الواجب الأسمى بأعلى ذرى الفخر
مضى عمر المختار لله هانئاً سعيداً شهيـداً وانطوت صفحة العمـر
مخلفـة للعالمـين مآثـراً هى الغـرر البيضاء في جبهـة الدهـر
ومن دمه المسفوك سطر آية سيحفظهـا التاريخ بالحمـد والشكـر
وكان هذا المآتم مظهراً من مظاهر الأخوة تجلت فيه عواطف المحافظة على حقوق الجار، وبرهاناً من إخواننا التونسيين على ما في نفوسهم من عطف عرفناه لهم منذ بدء حركة الجهاد في برقة.
خـاتمـة:
ليس عمر المختار أول من جاهد ولا أول من استشهد، وإنما المختار هو أحد أؤلئك القلائل الذين يواصلون القتال رغم اليأس من نتيجة المعركة، لكن ثقتهم بالله عز وجل كبيرة، فهو بلغة الجيش رجل فدائى، وهو بلغة الإسلام من أؤلئك (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) صدق الله العظيم.
وذلك هو مفتاح شخصية الرجل الفذ .. آمن بالله واستقرت معانى الإيمان فى قلبه فأصبح لا يرى إلا الله، ولا يخشى إلا الله، وهذا الصنف هو أقوى ماعرفت البشرية، وستعرف من الرجال، وهو الإنسان الحر فى أعلى وأوسع معانى الحرية، فحرر قلبه من الأوهام، ومن الشر ومن الضلال ومن الشهوات ومن كل ظلمة تحجب نور الحقيقة.
فإذا تم له ذلك، كان قلبة نوراً خالصاً صافياً لا شائبة فيه، وأصبح دائم المراقبة لله، دائم الشهود لله فى كل شيء يراه ويحس بآياته.
وهو من هنا شديد الخوف من اللة لأنه يعلم أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب وشعور الخشية هذا يحجره عن كل معصية مخافة من الله واتقاء لغضبه وعذابه.
عندئذ يجده الله أهلاً لحبه، واصطفائه، فيتجلى عليه بالتجليات الربانية، وينزل فى قلبه سكينة، ولو جمعت الدنيا بأسرها لتزلزله ما استطاعت لذلك سبيلاً، كان المختار راسخاً كالجبل الأشم، تحاول إيطاليا الفاشية بجموعها أن تزحزحه فترتد عنه وهى خاسئة ذليلة لم تنل منه شيئاً.
يوقن أن أمثال جرازيانى وجيوشه إنما هم ذباب ساقه الله ليبتلى به إيمانه وإيمان من معه، فكان يقاتل الطليان وهو فى قرارة ذاته، يحتقرهم ويراهم ليسوا على شيء مهما حاولوا أن يتبجحوا فى مظاهرهم، ولا يوجد فى العالم فدائى أعلى ولا أقوى من فدائية الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وقد كانت تتمثل فى شيخنا الأسد عمر المختار، فى أبهج وأسمى معانيها. فالفريد فى سيرته أنه أحيا شيئاً كاد يندثر، أحيا معانى الإيمان التى كان الناس قد بدأوا ينصرفون عنها.
وهناك عدة عبر تتلخص فى سيرته العطرة .. (لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الاباب).
أولاً: أنه بنيان على أساس التقوى أصله ثابت وفرعه فى السماء، فهو شجرة طيبة تؤتى أكلها فى كل حين، عاش مباركاً فى حياته، مباركا فى مماته.
ثانياً: أنه كان داعياً إلى الله بإذنه، تربى على أيدى دعاة السنوسية، وكيف لا ومعلمه السيد محمد المهدى السنوسى طيب الله ثراه، فلما اكتمل وترعرع أدى الرسالة وبلغ الأمانة وأنذر وبشر (وخيركم من تعلم القران وعلمه).
ثالثاً: أنه كان على فهم صحيح لدينه، يأخذه كلاً لا يتجزأ، فلا هو بالمتدين المحترف، ولا هو بالمتدين البعيد عن جوهر الدين، وإنما هو رجل مؤمن يعلم أن الإسلام لا يصلح أن يؤخذ بعضه ويترك بعضه.
رابعاً: أنه كان شاباً دائماً، حار دائماً، يتدفق النور والحرارة من قلبه، رغم شيخوخته، وتلك طبيعة المقاتلين فى سبيل الله الذين يخشون الله ولا يخشون أحداً من عباده. وإنك لتعجب حين تعلم أنه عين قائدا عاماً [6] من قبل الأمير محمد إدريس السنوسى وقتذاك وهو فوق الستين عاماً، واستشهد وهو فى نحو السبعين عاما، وما ذلك إلا لأنه رجل يقاتل ويحب أن يقاتل ومثل هذا الشعور يجعله شاباً دائم الشباب.
خامساً: أن الله لايضيع جهاد المجهادين، ولا إيمان المؤمنين، إذا علم منهم صدق النية، فها هم أهل برقة، جاهدوا وجاهدوا طويلاً، ثم انتصرت إيطاليا عليهم نهائياً عام 1931 ومكثت هى صاحبة السلطان المطلق فى ليبيا حتى عام 1942 وطردوا شر طرده.
أحد عشر عاماً كلها يائس مطلق ولا أمل فيها يبشر بالنصر، تشريد وتجويع ومعتقلات، ثم أراد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون الفاشست، فجاء بالحرب العالمية الثانية وجعلها سببا فى نصر أؤلئك المظلومين، فانتصروا واستعادوا بلادهم مرة أخرى. وعادوا إلى أوطانهم التى ترعرعوا فيها، بعد أن اُخرجوا منها ظلماً وجوراً وعدواناً، وذلك مثال حى للأمم والأفراد. حتى أن شاعرنا المرحوم حسين لحلافي تنبأ بهذا النصر المبين قبل وقوعه فى قصيدته المشهورة عن الوطن [7] عندما يقول:
حتى وهو عدوى (8) ع العدو ندخلبه اللى يموت منهم نفرحوا لماتا
سادساً: أن الظالم الباغى منهزم لامحالة فى النهاية، وإن انتصر فى البداية وظن أن لن يقدر عليه أحد، ذلك أن الله خير الماكرين وأن مكر القدر فوق مكر الظالمين، يرمى الله أهل الحق بأهل الباطل، وأهل الباطل بأهل الحق، ليميز الخبيث من الطيب ، ثم تدور المعركة فينتصر أهل الباطل فيغتّروا بذلك النصر ويزدادوا غروراً، وتمضى الأيام حتى يكاد أهل الباطل أن ينسوا ماهم فيه، وما ينتظرهم هنالك … وبغتة يحق الله الحق ويبطل الباط.
سابعاً: أن الشهداء وحدهم هم الذين لا يموتون، وكل الناس تموت، وليس ذلك برأى من عندى، وإنما هو رأى القرآن يقول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) صدق الله العظيم، فالشهداء أعقل الناس حقاً، لأنهم اختاروا أسهل ميتة، واختصروا الحياة، وسارعوا إلى حياة أرقى وأفضل وأوسع.
ثامناً: إن شيخنا عمر المختار لم يسع للشهرة، لأن المخلصين لايبحثون عن الشهرة، وإنما هي تبحث عنهم، ولكن العبرة من سيرتهم أن كل من أخلص وجاهد وعمل الصالحات ابتغاء رضوان الله تكفل الله برفع ذكره فى الدنيا فضلاً عن الآخرة.

تاسعاً: إن المختار كان ولياً من أولياء الله (لانزكى على الله أحداً) وقد صدق الله وعده، ودمّر إيطاليا اللعينة بأكملها، ونكّل بقادتها شر تنكيل من أجل المختار، لقد أرادت إيطاليا إبادة الشعب الليبى، فبادت هي وبقيت ليبيا لليبين، وما أكثر العبر فى حياة المختار، إننى أشعر بالتقصير حين أكتب عن ذلك البطل، وأحس إحساساً عميقاً أنه أعظم مما كتبت، وأجل مما توهمت فسلاماً على عمر المختار.
(1) هو الأمير عمر بن طوسون بن سعيد باشا بن محمد على الكبير.
(2) دار السلام : هى بغداد.
(3) جلق : هى دمشق.
(4) الفلحاء : لقب عنترة العبسى.
(5) تنك : هى الدبابة المستعملة في الحروب.
(6) غير أن السيد إدريس امام هذا التغير الظاهر فى سياسة الطليان وخطتهم ما لبث أن عمد إلى تنظيم المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي فى القطر الليبى قبل مغادرته البلاد، فبحث هذا الأمر مع الزعماء والرؤساء البرقاويين من جانب، ومع بشير السعداوى والوفود الطرابلسية من جانب آخر. وقرر رأي الأمير على أن يعهد بالأعمال السياسية والعسكرية فى برقة إلى السيد عمر المختار نائبا عن سموه فى تنظيم الأدوار ) كتاب (السنوسية دين ودولة) د. محمد فؤاد شكرى دار الفكر العربى القاهرة 1948.
(7) وهذه قصيدة حرية بالبحث والشرح نأمل التطرق اليها ان شاء اللة فى بحث قادم .
(8) يقصد الانجليز.

ليست هناك تعليقات: