المسكين … ، للقاص الليبي عبدالله غرياني *

775ima

المسكين … ، للقاص الليبي عبدالله غرياني *

 كعادتك لا تمتلك إلا أن تستيقظ صباحا على أبشع صوت ..المنبه .. ذلك الاختراع الكريه ..وكعادتك أيضاً لا تمتلك إلا أن تدخل دورة مياهك في جولتك الصباحية ..لا تنس أسنانك كما وعظك مقدم برنامج صباح الخير أول جماهيرية ، و إلا فان مصيرها التسوس ، وشماتة المذيع  الكريه .. ثم كعادتك تتناول فنجان قهوتك النسكافيه لاعناً كذب الدعاية التي لم يكفوا مؤخراً عن بثها في كل القنوات في محاولة لإقناعك بأن لا وسيلة أفضل من هذه القهوة بالذات للتخلص من وزن الفراش الذي تشعر به ملتصقاً بظهرك ، بينما أنت تدرك في الحقيقة أن هناك حل أفضل وأقل تكلفة بمئة مرة لمشكلة التصاق هذا الفراش بمؤخرتك وذلك بأن ترمي بنفسك فوقه وتنام  بعد أن ترمي بكل قواك ذلك الاختراع الكريه ليتحول إلى ستين أو سبعين اختراع صغير صامت بمجرد ارتطامه بجدار حجرتك .. أنت تعلم كل هذا .. لكنهم كعادتهم لا ينصتون إلى رأيك في هذه المسألة بالتحديد ، أو لنكن أكثر دقة ، فهم لا يصغون إليك في أغلب المسائل ..
كالعادة ..تغادر منزلك إلى مقر العمل الذي يأتي في المرتبة الثانية في سلم أسباب ضيقك وتبرمك في حياتك بعد زوجتك طبعاً على اعتبار أنها صاحبة المقام الأول في حياتك..تخيل عالماً ليس فيه زوجات ولا أرباب عمل .. ألم أقل لك أنهم لا ينصتون لك في أغلب الأحيان ؟؟ ..
لا تنس أن تولع سيجارتك الأولى في الطريق إلى مقر عملك .. صباح الخير.. بمنتهى الآلية ترددها وفي داخلك عدة تساؤلات ليس آخرها ما جدوى هذه العبارة إن كانت المعاملة ستتخذ بعد دقائق فقط شكلاً مغايراً تماماً لخاتمة هذه العبارة بالذات ..القهوة الرديئة ..اجترار أخبار البارحة في فلسطين والعراق ..الجو الخانق..المكيف العاطل ..منفضة السجاير المكتظة بالأعقاب ، والتي تشبه منظر الازدحام أمام الجمعية الاستهلاكية ذلك الــ (رمضان) حين تحصل جارك المحظوظ على جاكتة بينما رجعت لبيتك محملا بدستة علب شامبو رخيص تفوح منه رائحة الصودا ، ونخرت تلك العلب رأسك ورؤوس عيالك حتى عيد الأضحى اللاحق لتستبدل ذلك الشامبو اللعين بعد نفاذه بصابون التايد .. رئيسك يستدعيك ..يوبخك ..تخرج ساخطا .. يسألك زملاؤك الى أين ؟؟ الى الجحيم .. تجيبهم .. ناسيأ أنك أصلاً في
قلب الجحيم .. تخرج للشارع .. تصفعك موجة قبلي محملة بروائح بركة المياه السوداء .. تحاول الاسراع .. لست الوحيد الذي يفعل .. سيارة فارهة تسرع أيضاً .. تخترق البركة في جموح لتبلل بدلتك الرثة ..تقرر العودة لبيتك..تجد جارك في فراشك .. ثم …. هنا أفاجأ بك تلتف إلي في حنق ..وتصرخ في أن أتوقف عن العبث بك .. أتوقف عن الكتابة .. أسمع صراخك تسب وتشتم حروفي .. ألا تستطيع حروفي أن ترسم شخصاً أجمل وواقعاً أفضل ؟..بلى أستطيع ..لكنه نوع من السادية يذكرني بلهو الأطفال بحيواناتهم الصغيرة .. لهذا ألهو بك .. أستطيع أن أجعلك تستيقظ نشطاً لتفتح شباك نافذتك وتهمس بصباح الخير في أذن عشيقتك … وتقود سيارتك الفيراري الرائعة ، تخرج في نزهتك الصباحية السعيدة عقب تلك الليلة الدافئة ، والجو في الخارج أكثر من بديع حيث تتخلل شمس ربيع الريف السويسري أشجار الصنوبر وأنت تستمع في بهجة لأنغام الموسيقى التي تصدح من مسجل سيارتك …و….و…و…و….و….، لكن ألا يجعلك ذلك بليداً ، أو ربما يجعلني أنا كذلك .. اذن الأفضل أن أعود للهو بك ، أتسمعني ؟….أين أنت ؟؟… …
لقد هرب اللعين .. سأجدك ، سألف كل ألف بحثا عنك ، سأنفض كل فاء ، سأكشط كل كاف ، لن أترك حرفاً ، ألا تعلم أن من الحمق الاختباء خلف الحروف ؟؟.. المرة القادمة حين أجدك لن أرحمك .. سترى أي صباح ستفيق عليه .. ستترحم على أيام المنبه الجميلة .. سأجعل تستيقظ على دوي قنبلة .. هذا إذا تركتك تنام أصلاً .. ثم !!! لماذا لا تموت منذ البداية وتريح وترتاح ..
فعلا هذا أريح ..
وهكذا فإنني أستبق حضورك بالكتابة عن شخص حاول أن يتحدى نزوات صانعه فتخلص منه في غيابه …

ليست هناك تعليقات: