هل يريد الليبيون بناء دولة ؟


هل يريد الليبيون بناء دولة ؟

د نزار كريكش

- عندما تريد نسبة كبيرة من الفاعلين في هذا الوطن إرادة حقيقية أن يبنوا دولة عندها سيستجيب الواقع وتقوم الدولة

- فكرة بناء الدولة التي هي تصور حقيقي لأهمية بناء مؤسسات لا مجد أشخاص

صدر كتاب بناء الدولة لفرانسيس فوكوياما ، والذي بدا فيه متراجعاً عن أطروحته نهاية التاريخ ، من حيث اعترافه بأهمية الدولة ، وضرورة بناء مؤسسات الدولة وليس الاعتماد على السوق كوسيلة لنقل الثقافات وتوحيد العالم أو " كوكلته" على حد تعبير الراحل المفكر عبدالوهاب المسيري .

وهذه الأطروحة التي ترى ضرورة دعم بناء المؤسسات الديمقراطية في الدول الضعيفة - من حيث الاستقرار والتنمية - آو الفاشلة - من حيث عدم قدرتها على بناء الديمقراطية رغم توفر إمكانات ذلك ، هي أطروحة قريبة من طرح روبيرت كير في كتابه تحطم الأمم ، من حيث أن روبيرت كير يرى بوجود قيم جديدة تحتم على الغرب احترام ثقافة الآخرين والعمل على دعمها ليسود الاستقرار في العالم ككل .


وبعد النزاعات تكون الدولة كأي منحنى في الدنيا سواء في البكتيريا آو ولادة نجم هائل في السماء ، وهي حالة من الضعف و والتصاعد ، إلى ان تستقر على حالة واحدة ثم تبدأ في الترهل .

شكل آخر قد يحدث وهو أن تكون الدولة في حالة قوية مشحونة بالرغبة في التغيير ثم تبدأ في التراجع التدريجي ....

ولكن كما يذكر فوكوياما في كل التجارب العالمية كان هناك نواة تبدأ منه الدولة كجهاز بيروقراطي قوي الهند مثلاً ، نظام اقتصادي متين ألمانيا بسمارك ، أحزمة قوانين يمكن أن تكون نواة لتشكل الدولة .

وفي التاريخ أمثلة كثيرة على تجمع الدول حول أنوية ، حق شرعي للقيام كالعباسيين ، قوة استراتيجية كالعثمانيين ، فراغ وعجز دولي كالولايات المتحدة الأمريكية ، إلا ان البحث عن تلك النواة في ليبيا ومتابعتها محيّر حقاً .

في تقديري وكتبت ذلك مراراً ، وفي كتيب لي أن التجربة التاريخية التي مرت بها ليبيا فريدة حيث أن الفوضوية لم تُقم دولة إذ كان كثير من العقلاء يتدخلون لكل من نادى بإلغاء علاقة الحاكم بالمحكوم .

هذا يعني أن نبحث عن نواة ننطلق منها ، هل هذه النواة هو المجلس لا أظن ، هل هي الحكومة أبداً فليس لديها آي رؤية كلانية ( آي كلية ) عن الواقع ، ( وقد ذكر فوكوياما في كتابه فشل كل الحكومات المستوردة في التجارب التي ذكرها ) ، هل وعي الشعب لا أحد يقول ذلك ، هل التضحيات هي الأساس قد يكون ؟؟

ولنأخذ مثالاً حتى نبين أهمية مانقول ، الأمن . نجد أن الوزارة عاجزة لأنها لم تجد أساساً تبني عليه فالقدرة الاتصالية مدمرة تماماً ، والجيش محبط عاجز ،وليس هناك أعراف يمكن أن تكون أساساً للبدء .يبقى الاقتصاد الليبي فقد نتصور أن هناك سيولة قد تكون نواة للبدء في بناء الدولة لكن الاقتصاد الليبي كما يعلمنا المتخصصون هو اقتصاد مشوّه لا يمكن اعتبار هذه السيولة بداية حقيقية لبناء مؤسسات دولة .

ماذا يحدث إذا غابت هذه النواة ؟ ستكون الدولة دولة وظيفية وليست دولة مؤسسات ،فالمؤسسات كما هو تعريفها هيئة اجتماعية راسخة مكانياً وزمانياً واجرائيا ً ، وهذا غير متوفر في ليبيا ، فالمكان غير ثابت والإجراءات كانت في حالة توتر وتغير دائم ، أما الزمان فإن كل المؤسسات التي نبنيها الآن لا يؤهلها ليشتد عودها و يتصلب بناؤها شهر آو شهور .

إذاً غياب هذا البناء المؤسسي في المجلس والحكومة و أغلب مؤسسات الدولة ، يجعل من البداية صعبة والتغيير معضلة لا نعرف أين نضع أقدامنا لنقفز القفزة الأولى .

ما الحل ؟ كما أقول دائماً هو مخيال اجتماعي تعزز عبر إعلام صادق ، يخلق تيار رئيسي قادر على تسيير الدولة ويعدّل من مسارات الهياكل الوظيفية التي تحكم البلد ، إلى أن يتشكل وعي بضرورة الدولة ، وعبثية البقاء في الفوضى والجهل ، أي بلغة واضحة عندما تريد نسبة كبيرة من الفاعلين في هذا الوطن آن يبنوا دولة ، تلك الرغبة ستكون إرادة حقيقية عندها سيستجيب الواقع وتقوم الدولة .

هل حقاً يريد أكثر الليبيين ذلك ؟ هل من يؤثرون في المشهد السياسي حقاً يشعرون بأهمية الدولة ...كل ذلك يرجعنا إلى معنى فكرة بناء الدولة التي هي تصور حقيقي لأهمية بناء مؤسسات لا مجد أشخاص ، ضمانات قانونية لا صفقات جانبية ، احترام إرادة الناس لا الاستخفاف بعقولهم ، مرجعية للحق وليس موئل للفشلة والمتسلقين ، ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فسيسهل عليك فهم ما يجري من عبث داخل المجلس وفي الحكومة ، إنه غياب الدولة .

هناك تعليقان (2):

saleh mohsen يقول...

نفع الله بك صديقي ويعلم الله أنني لم أستفد بعد الثورة كما استفدت من كتاباتك وآراءك شكرا نزار

saleh mohsen يقول...

كلام رائع نفع الله بك عزيزي