عبد الرحمن الشاطر/ ياهارب من الغولــة....

عبد الرحمن الشاطر/ ياهارب من الغولــة....

لقد نجت طرابلس من غولة القذافي.. فهل ستنجو من سلاّلي القلوب الذين بدأوا ينهشون أحشاءها؟
انتابنا خوف كبير على طرابلس ، عندما شُرع في هدم العديد من طرقاتها وأحيائها بحجة ( ازالة من أجل التطوير ) كان خوفنا أن تفقد مدينة طرابلس العريقة ملامحها وخصوصيتها .. واستطاعت أقلام كثيرة أن تتصدى لتلك الهجمة وأوقفتها ومنعت تشريد عشرات الآلاف من المواطنين وخاصة سكان منطقة المنصورة التي استُهدفت للهدم في ما سمي يومها بمشروع الهلال الأخضر الذي يمتد من قاعة الشعب ويصل الى مشارف مطا ر معيتيقة.
ومها كتبت مقالا تحت عنوان ( اتركوا طرابلس وشأنها..)فسره المغرضون بأنني أطالب بابعاد من ليس طرابلسيا عن طرابلس في حين أن القصد هو أن تترك معالم طرابلس بحُلوٍها ومرها وعشوائياتها كمدينة تاريخية. واليوم أكرر نفس المطلب (رجاء اتركوا طرابلس لجميع سكانها).
اليوم تتعرض مدينة طرابلس الى هجمة شرسة جديدة ومن نوع آخر.. وهذه المرة ليس بالبلدوز ، ولكن بالتكتيك المستتر الذي في ظاهره رحمة ومن باطنة أمور يعلمها سبحانه وتعالى.


قبل أن تتحرر طرابلس ، كان خوفنا من وقوع دماء غزيرة ، لكن الله سلم. وكان شعورنا أنه بمجرد اجتياز مدينة طرابلس المحنة باعتبارها العاصمة ، فان الأمور ستستتب وتبدأ عجلة بناء ليبيا الجديدة في التحرك السريع.
لكن ، الذي حدث هو انتاج فوضى ادارية لم تخطر لنا على بال.. فانقض على طرابلس البعض ليقتسموا فيما بينهم مراكز السلطة والقرار، وبالتالي احتوائها وفرض الأمر الواقع ولو بقوة السلاح.
· مجموعة من الأفراد شكلت مجلسا محليا للمدينة بعريضة وقع عليها مائتي شخص ، قدمت للمجلس الوطني الانتقالي في بنغازي فاعتمدها، قبل أن يتحرى فحواها.
ومجموعة شكلت مجلسا عسكريا لمدينة طرابلس .. وأخذت الشرعية ، وأيضا دون أن يتم فحص الشخصيات التي فرضت نفسها على مليوني قاطن لهذه المدينة.
· ومجموعة من الأفراد اختارت من اختارت من أزلامها لتشكل بهم ما يسمى بائتلاف السابع عشر من فبراير .. ولا يزال يعمل.
· ومجموعة أخرى نصبت من نفسها وصيا على طرابلس وأنشأت مؤتمرا وطنيا ليتحدث باسم مليوني شخص.
السؤال الجائز طرحه وبالحاح هو: من فوض هؤلاء لتبوؤ سلطات تتحكم في طرابلس؟ من اختارهم وكيف تم اختيارهم وما هي معايير الاختيار وأسس شرعيتهم في غياب مليوني نسمة في هذه المدينة؟ وهل يجوز لجماعة بل لجماعات أخرى أن تنهج نفس النهج فتشكل مجلسا محليا وآخر عسكريا وائتلافا ومؤتمرا وطنيا؟.. أليس لهم الحق في أن يؤسسوا مثل هذه المجالس بأكثر من مائتي توقيع؟.. واذا حدث هذا ، ألا نكون قد أدخلنا العاصمة في صراعات واقتتال يكون الندم فيهما على قيام الثورة أمرا مطروحا؟
أهل طرابلس .. وأقصد سكانها من كافة المدن الأخرى ، غُيبوا تغييبا واضحا ، ولم يعد أمامهم الا ميدان وساحة الشهداء للتعبير عن رفضهم لهذه التشكيلات .. فهل هناك من يسمع أصواتهم المحتجة؟ ويقدم لهم الحل البديل؟

المجلس الوطني الانتقالي يعاني ضعفا شديدا في حزم الأمور نتيجة لتشكيلته المتناقضة من الأساس التي جاءت في شكل لملمة أكثر منه تمثيلا صادقا للمناطق والمدن. فمن استطاع أن يقفز داخل السفينة في الأيام الأولى للثورة، أثبت وجوده ولم يثبت أحقيته في تمثيل مدينته. ولذلك يعاني هذا المجلس من التخبط.. ولم يستطع أن يحسم الأمر عندما لزم الأمر بتحرر طرابلس. هذا المجلس ينتهج سياسة الشفافية ولكنه لا يؤطرها في شكل لوائح وقرارات. ولذلك فهو يعمل بمبدأ من يأتي الأول ينال الخدمة الأول ( First come, first serve) ما يعني عجزه عن ضبط الأمور ووضعها على الطريق السليم. وربما استطاع المجلس الوطني الانتقالي أن يقنع المجتمع الدولي. ولكنه يفقد صدقيته يوما بعد يوم على الصعيد الداخلي .. وما يحدث في العاصمة هو المحك. فاذا لم يستطع هذا المجلس أن ينقذ العاصمة .. فأين سيختار عاصمة لليبيا الحرة؟!!.. هناك مياه تجري من تحت المجلس الوطني الانتقالي .. والخشية أن تغرقه هو الآخر.
نريد تفسيرا من المجلس الوطني الانتقالي يبرر ويشرح فيه دواعي اعتماد مجلس طرابلس المحلي ومجلس طرابلس العسكري وائتلاف 17 فبراير لطرابلس والمؤتمر الوطني لطرابلس الذي أعلن عنه مؤخرا.وجميعها ينطبق عليها مقولة أمر دبر بليل.
لا ينبغي للمجلس الوطني الانتقالي أن يتجاهل مليوني نسمة وعاصمة لليبيا دون أن يتأكد من سلامة وشرعية من يتحكم في مفاصلها.
من خلال الاحتجاجات التي أسمعها ، على الأقل في ميدان وساحة الشهداء وهي بالالاف ، أتصور أن تلك التشكيلات لا تتمتع بالشرعية اذا ما وضعنا الشارع هو مقياس الشرعية وليس توقيع مائتي شخص. وبالتالي فان على المجلس الوطني الانتقالي أن يعير هذه الآلاف أذنا صاغية وأن يحزم أمره ويضع شروط وأسس ومعايير وآلية اختيار تلك التشكيلات تفاديا لسيطرة مجموعة معينة على هذا التشكيل أو ذاك. ولن ينقذ مدينة طرابلس من احتمالية الاقتتال الا بقرار يلغي كافة المجالس التي تهيمن على العاصمة ويضع الحلول لاحلال بدائل لها تتمتع بالشرعية ، أي تتمتع بالأغلبية ، والحلول موجودة اذا وجدت الارادة.
للذين شكلوا تلك المجالس نقول: بارك الله لكم في الجهد الذي بذلتموه وقت الأزمة.
وللمجلس الوطني الانتقالي نقول: يجب أن تحل تلك المجالس الموجودة على مستوى مدينة طرابلس واعادة تشكيلها من القاعدة باعتبارها مدينة تحررت أسوة بغيرها من المدن الليبية التي حلت مجالسها بعد تحريرها . فاستمرار عمل هذه المجالس يعني السطو والاختطاف للعاصمة. ولكم في مدينة زوارة أسوة حسنة.
لا أقول الفوضى التي تعيشها طرابلس اليوم عارمة ، وانما أقول أن الاحتقان والغليان في طرابلس بدأ يتراكم ويقارب من الانفجار. واذا ما استمر الحال على ما هو عليه ، أي سيطرة تلك التشكيلات بحكم المبادرة الأولى وخلق أمر واقع على الأرض ، فان هناك من سيفرض سيطرته أيضا لخق أمر واقع جديد.. واذا ما حدث هذا فان كرة الثلج سوف تتدحرج لتلغي مدينة كان اسمها طرابلس .. وكان يؤمل أن تكون عاصمة لليبيا الحرة. وسيكون ذلك بيد أدعياء الثورجية وأدعياء الحرية وأدعياء تحرير طرابلس. وعندما تعم الفوضى ، وقد يعم الاقتتال لا قدر الله ، فما على الشهداء الأبرار الا أن يذرفوا الدموع بعد ذرفوا الدماء ، على دولة بدون عاصمة.وعلى شعب منقسم ومتخاصم مع ذاته .. شعب يريد تقسيم الغنائم على حساب دمائهم الزكية.
لقد نجت طرابلس من غولة القذافي .. فهل ستنجو من سلاّلي القلوب..
اللهم سلم طرابلس العاصمة.

عبد الرحمن الشاطر



عن صفحة (انتفاضة 17 فبراير 2011- لنجعله يوم للغضب في ليبيا )

ليست هناك تعليقات: