وفاء البوعيسي: دكتاتور...... وشماعة


وفاء البوعيسي: دكتاتور...... وشماعة    وفاء البوعيسي: دكتاتور...... وشماعة   
الغالبية الآن تقريباً ـ وبلا مبالغة ـ يتحدثون باحتفاء منقطع النظير، عن ثورة 17 فبراير، وأنهم قد ساهموا فيها بطرق كثيرة مختلفة، وأنهم كانوا دائماً وأبداً، ومذ خُلقوا حتى الآن، معارضون للقذافي، ويكرهونه، وأنهم رضعوا كراهيته وازدراءه مع حليب أمهاتهم، وأن أباءهم بالذات، وحتى أمهاتهم، كانوا يلقنونهم معارضة الرجل، ورفض نظامه وأفكاره، وأنهم كانوا مع ثورة 17 فبراير، من إنطلاقتها الأولى، بل ثمة من يقول، إن مدينته تحركت حتى قبل يوم 15 فبراير في بنغازي، وأنهم حطموا نُصب الكتاب الأخضر الثلاثة، أو كانوا أول من أضرم النار، في مقار للجان الثورية، إلى آخر هذا الحديث الذي ينشرح له القلب، وهو ذاته الحديث الذي تسمعه حين تتابع المشهد الليبي المتعدد الأبعاد، مُمثلاً في التلفزيون الرسمي، والصحافة المقروءة، والإلكترونية، وصفحات الليبيين الشخصية، على الفيس بوك وتويتر، ومدوناتهم، أو بالصفحات العامة للمؤسسات والوزارات، وواجهات الأحزاب التي نشأت حديثاً، والجمعيات الأهلية، التي يناهز عددها عدد الشعب الليبي نفسه، وسيل الكتابات، الذي بدأ يتدفق مؤخراً، على المواقع الإلكترونية والمطبوعة.
وحين تفتح حواراً جانبياً مع أصدقاء، بالأدب أو القانون، أو الطب، ... الخ، ومغتربين، ومهتمين بالشأن الداخلي، سيعلن الجميع عن معارضته للقذافي، وكراهيته الشخصية له، ولنظريته وفكره، وأنه كان يتحرق بقوة، لقيام ثورة تُطيح به وبدكتاتوريته، وأنه
دعم الثورة، وبذل لها الكثير الكثير، حتى بتُ أتسائل، عن من كان مع القذافي، بما أن الكل ـ تقريباً ـ كان يعارضه، ويكرهه، ويتربص منتظراً، اللحظة التي سيثور فيها الشعب عليه، وكيف ولماذا، سقطت بلادنا هكذا ـ طالما أن معظمنا ضد الرجل ـ في هوة الفساد، والاستبداد، والمزايدة والفوضى والجهوية؟    
ثم حين نسمع الخطاب الرسمي، للحكومة والمجلس الانتقالي، وحديث الشارع، و"المرابيع"، والمجالس المحلية، والعسكرية، وفعاليات المجتمع المدني بكل أطيافه، نجد حديثاً مُسهباً، يُصر دائماً، على أن أزلام القذافي، المحدقين بالثورة، وثقافته التي غرسها فينا، هما ما يحول دون رغبتنا، بالخروج بليبيا من مأزقها الراهن، وانتشالها من قبضة المليشيات المسلحة، ورجال الدين المتشددين، ومنع تدفق الأموال العامة، إلى جيوب سماسرة الثورة. 
والحقيقة أنني أريد الوقوف بكم، عند هذا الطرح بالذات، لأتحدث عنه بشفافية، وبرغبة ملحة في مكاشفة ذواتنا، ومحاسبتها، والاعتراف بأخطاءها، مع عدم التقليل بالطبع، من أهمية المحاججة، بأن ثقافة القذافي وأزلامه ورموزه، هم الذين يضعون حراباً الآن، في طريق ليبيا، وأنهم يعرقلون مسيرة الليبيين في التقدم للأمام، وبناء بلدهم من جديد.
لكنني كنت أتمنى، حين يُصر البعض، على اتهام أزلام القذافي، بمسؤوليتهم عما آل إليه وضع ليبيا بعد الثورة، أن يعرّفوا لنا مالذي يقصدونه بالأزلام بالتحديد، فهل هم الذين عملوا مع القذافي بالدائرة الأولى والضيقة، في صنع القرار المدني والعسكري، الداخلي والخارجي، المحلي والإقليمي والدولي، وصياغة التوجهات العامة، وخطط تسيير البلاد، وساهموا في امتداد نظامه في الزمان والمكان، وترسخه في الذهنية الليبية، بامتداده لأربعة عقود، أم تراهم من عمل معه، دون أن يكون قريباً لهذا الحد منه، كالسفراء والدبلوماسيين والقناصل، ورؤساء تحرير الجرائد، والوزراء، والموظفين المدنيين بهيئات الإذاعة، والأمن وغيرها، أم هم كل من قال يوماً كلمةً إيجابيةً، بحقه وحق فكره ونطريته؟
فعن النوع الأول: من الذين عمل معه بدائرته الضيقة، وعمل على إطالة عمر نظامه، وتمكُنه من الحياة ومفاصلها، فلن يكون بإمكاننا، تجاهل أن المرحوم عبد الفتاح يونس مثلاً، الذي كان مع القذافي من يوم 1 سبتمبر 1969، حتى بُعيد 17 فبراير 2011 بقليل، كان مع القذافي، وعلى رأس مؤسسة أمنية، اتُهمت يوماً بقتل الليبيين، والنيل من حريتهم وكرامتهم وممتلكاتهم، وقد ابتعد عن مشهدية الثورة في بدايتها، فظل منزوياً وفقاً لتصريحاته الأولية، ثم التحق بها لاحقاً، بتأثيرات ربما قبلية، وربما لأسباب تتعلق بالمبدأ أيضاً، فقد وقف الرجل بأم عينيه، على مذابح لليبيين في بنغازي، وشاهد بنفسه حجم الدم والقتل، لكن لسبب ما، أظن أنه يتعلق بالولاءات القبلية لقبيلة العبيدات ـ أكثر ربما من صدقنا وعدالتنا ـ ذات الشأن الكبير بالشرق، نعتبر عبد الفتاح يونس، خطاً أحمر ولا نذكره، عند الحديث عن أزلام القذافي، ومعيار تصنيفهم، فنسكت عنه وعن تاريخه، ونتجاهل عدم التحاقه بالثورة من بدايتها، ونقول ونكرر أنه قُتل، لأنه أراد بناء جيش وطني، في وقت كانت فيه جهات ليبيا الثلاث، الشرق والغرب والجنوب، متباعدة عن بعضها، وتنقطع سبل الاتصال والتنسيق بينها بشكل شبه دائم، وانشغاله رحمه الله وفرقته بالقتال، على جبهة اجدابيا والبريقة، اللتان ظلتا ما بين المراوحة والإحجام، ولم تتحررا فعلاً إلا بسقوط سرت، وقد كانت جميعها جهات مهددة بالإبادة أو الإنفصال في أحسن الأحوال، ما يجعل فكرة تكوين جيش وطني في ذلك الوقت، تبدو متعذرة ومحفوفة بالتحديات والمخاطر، ولاعتبارات أخرى مختلفة، تتمثل في تعلقنا المعتاد بالرمز، وبمفهوم ولي الأمر الذي جاء به القرآن الكريم، والذي يعتبره كثيرون، ضرورياً لتحقق البيعة والاستقرار، والبعد عن الفتنة، نسكت تماماً، أو نهاجم بضراوة شديدة، من يتناول السيد عبد الجليل، وينتقد سياساته وتصريحاته، وتخبطه الملحوظ في إدارة البلاد، وخروقاته الدستورية الواضحة والكثيرة، رغم أنه عمل ضمن الدائرة الضيقة للقذافي، وضمن خطة سيف الإسلام، في مشروع المصالحة مع الإسلاميين آنذاك، لكن لأسباب أخرى مازلت لا أعرفها، نمعن في تسفيه وتحقير عبد الرحمن شلقم، ومحمود جبريل، رغم الخدمات التي قدماها معاً، لمسيرة الثورة والاعتراف بها، وصدور قرارت عن مجلس الأمن، تضمنت اعترفاً بحق الشعب الليبي، في نيل حريته، ومباركة تحركاته ضد آلة القذافي، بل وحمايته وحماية أمنه وحياته ومنشآته، بالتدخل عسكرياً، وفرض منطقة حظر طيران على أجواء ليبيا، ثم تتالت الإعترافات الرسمية، الدولية والعربية والأفريقية بالمجلس الانتقالي، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الليبي.
أما عن النوع الثاني: ممن عمل مع القذافي من الفئات المذكورة، من خارج الدائرة الضيقة واللصيقة به، فهي وظائف كان لابد أن يشغلها أحدٌ يوماً، وما كان متاحاً ـ وفقاً لظروف واعتبارات أمنية واستبدادية بذلك الوقت ـ أن يُعبر المرء عن قناعاته هو، وموقفه هو، والحق أن بعضهم، أدى خدمات للمواطن وللوظيفة، بالداخل والخارج، حين عمل بمركز، جعله يقترب من حاجيات المواطن، وقد أداها البعض، التزاماً بقوانين الوظيفة، لا بمزاج ورؤية القذافي، فالقنصل الذي يصادق على شهادة ميلاد طفل ليبي ولد بالخارج، أو موظف قطاع الإسكان الذي يخصص شقة لطبيب، توافرت فيه الشروط، ومدير تحرير صحيفة تُعنى بالاقتصاد، أو البيئة .....الخ، أو وزير للضمان الاجتماعي، حين يقوم بتنفيذ قرار، صادر عن مؤتمر الشعب العام آنذاك، بشأن اشتمال أو عدم اشتمال، بعض المستحقين للضمان الاجتماعي من الليبين، والموظف المدني بأرشيف جهاز الأمن أو الاستخبارات، حين يقوم بحفظ مراسلات وصادر ووارد الجهاز، وضبط بيانات للمواطنين وللموظين، يكونون قد أدوا عملهم وفقاً لما تطلبته شؤون وظيفتهم، التي لم يتعرضوا فيها للمواطن الليبي، في حقوقه وحريته ورزقه، بما لا يصلح معه الآن، اعتباره من أزلام النظام، الذين يجب محقهم، وملاحقتهم، واعتبارهم بدون حجة أو دليل، من الأزلام الذين يستهدفون الثورة. 
أما إن قال لي البعض، إن تأدية أعمال هؤلاء وغيرهم، قد اتسمت بالفساد الشديد، والتربح الفاحش، والإضرار بالمصلحة العامة، فسأقول بصراحة شديدة، إننا يجب أولاً أن يكون لدينا دليل، وأن نقيم تحقيقاً نزيهاً ودقيقاً، دون السقوط في فخ الاتهام المجاني، لكل من عمل مع القذافي، لمجرد أنه عمل معه، وأن نسوّد القانون، لا الظن والاتهام، للوصول لهذه الخُلاصات عنهم، وأن كل الإدارات، والقطاعات الأخرى بليبيا، قد غرق موظفوها رجالاً ونساءً، من غير هؤلاء، في مغبة الفساد، والتربح، والوساطة والمحسوبية والمحاباة، حتى امتلأت الحياة الإدارية بالاختناقات والتجاوزات، التي فاقمت أضعافاً مضاعفةً، فساد ذمم بعض الوزراء والسفراء وموظفيهم، وتكفي نظرة لمستوى أداء الموظف أو الموظفة بليبيا، بالقطاعات العامة والخاصة، لترى التردي الخطير، في مستوى الخدمة التي يقدمها لك وللوطن، و"الفهلوة والزقاطة" في استباحة المال العام، وذيوع جرائم اقتصادية وإدارية، ألقت بالبلاد في متاهات الفوضى الإدارية والتخبط والنفعية.
أما النوع الثالث: فهو فئة الأشخاص الذين امتدحوا القذافي وتغزلوا به، فهي أعدد غفيرة جداً، من الليبيين ومن عدد من الجنسيات والقوميات الأخرى، بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم الفكرية، وبالرجوع للأرشيف البصري، لإذاعات ليبيا من عهد القذافي حتى قيام الثورة، وبأرشيف مواقع المعارضة، لعل أشهرها موقع جبهة الإنقاذ، وبالرجوع للأرشيف الصحافي بالمكتبات الوطنية العامة، ومقار الصحف نفسها، ومواقع الانترنت، وبالرجوع لأرشيف مهرجانات الشعر، والثقافة، واجتمعات وزارات الصحة، والإسكان، والطب، والعدل، والمواصلات، والبيئة، والمرأة ...الخ، وجلسات المؤتمرات الشعبية، ودور انعقاد مؤتمر الشعب العام، والندوات المحلية والداخلية وخطب المساجد، ولأرشيف خطب القذافي في الليبيين، بكافة مستوياتهم ومراكزهم، لابد أن تجد كماً هائلاً، من الثناء على الرجل، ونظريته، والتغزل به، وبوثائف العهد والمبايعة، وقصائد المدح، التي يُلقيها كثير من الكتاب والمؤرخين والقانونيين والأطباء والعلماء وخطباء المساجد والدعاة، ومحفظي القرآن الكريم ....الخ، فقد اشتملت جميعها على ثناء منقطع النظير، للرجل وفكره ونظريته، وسلطة الشعب التي كان البعض يقول حتى تطوعاً، بدون ضغط ولا إكراه، إنها الخيار التاريخي للشعب الليبي، والذي دونه الموت.
إن الأرشيف البصري والصحافي، يحتفظ بمخزون كبير، لكثيرين ممن داهنوا الرجل، أو تملقوه، أو دبّجوه بالقصائد والاستحسان، ودون حتى أن يُطلب منهم، مجاراةً للسائد، أو بحكم العادة والخوف، أو عن قناعة، أو طمع.
وشخصياً لا أُقلل، من احتمال وجود تيار مناصر للقذافي، ممن بات يُسمى بالأزلام، داخل وخارج ليبيا، إما بحكم الإيمان بفكره وطروحاته، وإما للرغبة بالانتقام من الثورة، التي قضت على مصالحه معه، والتي قطعت عليه الطريق، لمواصلة الاستفادة منه، أو لأسباب تتعلق بعدم قدرة أشخاصه، على العودة للبلاد من جديد، بسبب ما يمكن أن يلحق بهم إن عادوا، لكن معسكر القذافي انتهى بموته، وتشتت أسرته بين عدة دول، منهم الموضوع تحت المراقبة، والخاضع للتحجيم في تصرفاته وتحركاته، كابنته عائشة وأمها، وأخوها غير الشقيق محمد، ومنهم الملاحق والمطلوب دولياً كالساعدي، أو المقبوض عليه بانتظار المحاكمة، التي يُرجح لأسباب وظروف كثيرة، أن ينال الإعدام إن حوكم في ليبيا، كسيف الإسلام، بما يعني ضعف في قدرات التيار الداخلي، على التأثير الكبير على مجريات الثورة، واحتمال تعرضه لخطر الإنكشاف، مع ما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة، وضعف قدرات وهمة، أنصار التيار الخارجي، بسبب افتقاده لموارد العمل على تجييش أحد من الداخل، أو تزويده بما يمكّنه من التآمر على الثورة وإجهاضها، وما يتطلبه ذلك من إمكانيات مادية واستخباراتية، وخطوره القبض عليه دائماً، أو تسليمه من قبل الدولة المضيفة لليبيا، ومعظم دول العالم الآن تربطها بالمجلس الانتقالي، علاقات اعتراف وتعاون، لكن وجود أنصار يحملون القذافي في قلوبهم، مازالوا يشعرون بأنه القائد، وصعوبة مواجهة صدمة موت الرجل "الرمز"، الذي حمل في نظرهم أفكاراً إنسانية وقومية، يجعل مساعي تأجيج الأوضاع قائم، وذلك بإثارة الحزازات والفتن، غير أن مواجهة هذا الاحتمال ممكنة بنظري، وذلك بتقبل هؤلاء الأشخاص، واحتواءهم والتسامح معهم، على أن يكون الضابط في ذلك، عدم ارتكابهم جرائم قتل أو اغتصاب وما شابه، والتسريع بضبط الأمن وعودة الحياة لمجاريها ومساراتها الطبيعية، ونزع سلاح المليشيات، بما يقلل من فرص تمادي هذا التيار الداخلي في مساعيه.   
وسيظل السؤال مشروعاً جداً، عمن يقف وراء كل المصادمات المسلحة مؤخراً، وهي بالعشرات، والتي راح ضحيتها المئات حتى الآن، بغرب ليبيا وجنوبها، منها أحداث سبها، والكفرة، وترهونة، وبني وليد، وزوارة، وتكرار وقوعها، واحتمال تجددها الدائم، في ظل غياب سياسات رشيدة، يتبعها المجلس والحكومة الانتقالية، لمواجهة كل ما من شأنه، أن ينشب ببلد خرج لتوه من حرب أهلية، وهو مُحاط بجيران، بعضهم ساهم مع القذافي، في حربه ضد الليبيين، فهل من أجج كل تلك الصدامات المسلحة، قام بذلك من موقع كونه من أزلام القذافي بالتحديد، أم من واقع أجندته هو الشخصية، في الإنفصال، أو حماية الهوية، أو الانتقام لمخالفات وقعت أثناء الثورة، ولو التقت هذه الأجندة، مع أجندة القذافي؟
وأخيراً إثارة مسألة ثقافة القذافي، التي تغلغلت بالليبيين، والتي تحول دون انضابط الأمور، أو دون العودة بالبلاد للنظام وتسويد القانون، بما تضمنته هذه الثقافة، من إزاحة قيم أخلاقية سامية، واستبدالها بقيم أخرى، انحطت بالليبي إلى مراتب متدنية جداً، من الإجرام والنفعية والفساد، فإن لي ملاحظات على هذا التبرير، لعل أهمها هو التساؤل عن دور منظومة القيم الثابتة، قبل وبعد القذافي، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي منظومة الدين، الذي يدين به جميع الليبيين تقريباً، ففي ليبيا مليون حافظ للقرآن، أو هكذا يقال، وفي ليبيا يغلب الحجاب على المشهد النسوي بالشارع، وسائر مكونات الفضاء العام، ويشيع إرخاء اللحية وحف الشارب، وتقصير الثياب، استناناً به صلى الله عليه وسلم، وتحشد المؤسسة الدينية هناك كل جمعة، خطيباً يتلو خطبة، تحض على التحلي بأخلاق النبي وصحابته الأبرار، وإماماً أو إمامين ومؤذن، يرفعون الصلاة في اليوم خمس مرات، بكل مسجد في كل ليبيا، وواعظ يلقي درساً واحداً على الأقل بالأسبوع، حول قيم ومآثر الإسلام، عدا عن كليات الشريعة وعلوم الدين، المنتشرة في البلاد طولاً وعرضاً، والتي تُخرّج الآلاف سنوياً، ليصيروا أئمة وخطباء ومفتين، وتحتفل المساجد كلها والزوايا، لأسبوع كامل بالمناسبات الدينية، كالمولد النبوي وغزوات المسلمين بصدر الإسلام، عدا عن نفحات رمضان وصلوات التراويح والتهجد، وختم القرآن.
أين ذهبت هذه المنظومة، ولمَ لم تمنع عشرات الآلاف من الليبيين ـ من غير الأزلام ـ من القفز على مشروع علاج الجرحى، وإدعاء المرض، من أجل الحصول على رحلة وحجز فندقي بالأردن، لعلاجات تتعلق بإسوداد الأماكن الحساسة لدى بعض الليبيات، وإزالة حب الشباب، وعلاج عقم، لزيجات لم تجاوز ستة أشهر، وقصر النظر، كما جاء بعشرات المستندات، المسربة من قبل موظفين بالسفارة الليبية هناك، على صفحات الفيس بوك، ولمَ لم تفلح تلك المنظومة، في منع الجرحى الليبيين في مشافي المغرب، من تحويل عنابرهم إلى وكر، لاستجلاب العاهرات والمخدارت، أو تمنع الجرحى والمصابين، من التحرش بيونانيات، حتى تدخل البوليس هناك ذات مرة، وتحفظ على القائمين بالتحرش، ولمَ لم تمنع بعض الثوار، الذين يُريدون استيفاء فواتير وقوفهم في صف الوطن، فيزوّر بعضهم وثائق ومستندات، ينال بها تعويضاً لا يستحقه، إلى حد تقديم طلبات باسم موتى من الليبيين، كانوا قد توفوا قبل 17 فبراير بسنوات، بحسب تصريحات السيد عبد الجليل شخصياً، وفي أكثر من مناسبة لقناة ليبيا الأحرار وغيرها، ولمَ لم تمنع تلك المنظومة البديلة، والثابتة بطبيتعها ومصدرها، بعض الإسلاميين، الذين يزايدون علينا الآن، بدينهم الذي استودعهم السجن، وعقود الملاحقة عبر أفغانستان وجونتانامو انتهاءً ببوسليم، للتربح والتكسب، والعيش ببحبوحة فاحشة، في فندق كورونثيا، حين جاوزت فاتورته حوالي 3.000.000 دينار ليبي، بحسب الديلي ميل، أو تمنع رفيقه المُبعد لاحقاً، المهدي الحاراثي، الذي سُرق من منزله بآيرلندا مبلغ 200.000 يورو، علاوةً على كمية كبيرة، من الحُلي والمجوهرات التي تعود لزوجته، والتي كشفتها الشرطة الأيرلندية على مواقعها الرسمية، على أنها مبالغ مالية استُلمت من استخباراتيين أمريكان، لمساعدته في دعم الثورة، والقضاء على القذافي، رغم أنه كان قبل ذلك بكثير، قد أُقصي من المجلس العسكري طرابلس، وانفصل عن رفيقه المناضل الإسلامي بالحاج، ورغم أنه قد أنكر ذلك تماماً، وأعتبره تلفيقاً وتشويهاً لصورته، لكنه لم يبادر ـ في نظري على الأقل ـ لاتخاذ أية خطوات تُعيد إليه اعتباره، وصورته النزيهة التي يُصر على التمسك بها، فلم يقاضِ الصنداي وورلد التي نشرت الخبر، ولم يقدم لها نسخةً من التحقيقات، التي أجريت معه، ليكذبها بالدليل الرسمي والتوثيقي، وينال منها تعويضاً محترماً، يجعل منه مليونيراً بشرف، إنما اكتفى بحديث مرتبك، على موقع اليوتوب، فرك فيه يديه قلقاً وحرجاً، طوال فترة التصريحات، معتبراً أن كل ما قيل بشأن الواقعة، هو كذب في كذب، واستهداف له وللثورة، ولا ننسى أيضاً، تصرفات لأعضاء من المجلس الانتقالي والحكومة الانتقالية، ليست ببعيدة عما فعله بالحاج، من إحتلال أجنحة فخمة، لفترات طويلة متمادية بكورونثيا، كلفت الدولة ميزانية فاقت مئات الآلاف، وأين هي هذه المنظومة الدينية والأخلاقية، من قيام أعضاء نيابة وشرطة غير مخولين، بحبس مئات ممن يشتبه في أنهم من أزلام النظام ورموزه، وتعريضهم للتعذيب والامتهان، والحجز غير الإنساني وغير القانوني، والاستيلاء على ممتلكاتهم، والتجبر عليهم وعلى عوائلهم، في حين يظل الحرص ظاهراً وحقيقياً أيضاً، عند عرض ظروف حبس سيف الإسلام معمر القذافي، وإبرازه بأحسن وضع، بسبب الخوف من أوكامبو الذي لا يملك سلطة على ليبيا بشأن تسليمه، بسبب عدم توقيع ليبيا، على اتفاقية روما الخاصة بمحكمة الجرائم الدولية، وعشرات من القصص المشابهة، التي لا علاقة لها بأزلام القذافي، ولا بثقافة القذافي، ولا بشخص القذافي، فهل كان هذا التدين، الذي يغمر الحياة بليبيا زائفاً إلى هذا الحد، أم كان اكتئاباً جماعياً بأعراض دينية؟
ويخطر لي في هذا السياق، جملةً قالها رجل بوليفي، لسيمون بوليفار، الجنرال الفينزويلي الأصل، الذي حرر فينزويلا وبوليفيا والبيرو والإكوادور وكولومبيا وبنما، من الاستعمار الإسباني، حين أقصاه الثوار وأشباههم، خارج أميركا اللاتينية كلها، إذا وقف بحذاء سفينته، التي كانت تمخر نهر مجدالينا، صائحاً: ها نحن أولاء قد نلنا الحرية يا جنرال، فقل لنا الآن ماذا نفعل بها؟
وأشعر برغبة عارمة، في ترديد هذه الجملة الآن، بصيغة لا تنحرف كثيراً عنها: ها نحن أولاء قد نلنا الحرية يا ليبيون، بعضنا نالها مبكراً جداً، يوم 23 فبراير، وبعضنا نالها يوم 22 أغسطس رمضان، وبعضنا نالها يوم 20 أكتوبر، فقولوا لنا الآن ماذا نفعل بها؟ 
وفاء البوعيسي

ليست هناك تعليقات: