المشهد السياسي الليبي: صعود قوى جديدة .. زاهي بشير المغيربي





جلسة إعادة تشكيل المكتب التنفيذي الانتقالي الليبي (الجزيرة)

زاهي بشير المغيربي

يتعين على أي تحليل للتفاعلات السياسية ودور القوى السياسية المختلفة أن يأخذ في اعتباره طبيعة المجتمع الليبي وتركيبته الاجتماعية والدينية والسياسية، وطبيعة التفاعلات السياسية خلال الحقبة السابقة لثورة 17 فبراير 2011 والتي تشمل النظام الملكي ونظام القذافي، وطبيعة دور المجتمع الدولي خلال تلك الثورة والتأثيرات المحتملة لذلك الدور على وضع ليبيا المستقبلي وقواها السياسية.
وسأحاول في هذه الورقة أن أقدم تحليلاً للتيارات السياسية في الساحة الليبية، ولكن غياب المؤشرات الكمية والمعطيات الإمبريقية، يجعل القيام بمثل هذا

التحليل مخاطرة وأقرب إلى الانطباعات الشخصية منه إلى الحقائق الصلبة. ومع ذلك أزعم أن الصورة العامة، كما سوف نبين، تدعو إلى التفاؤل بمستقبل وآفاق أرحب، وتبين أن بمقدور الليبيين تحويل حلم الدولة الديمقراطية المدنية التعددية التي لا تقصي أي تيار أو توجه أو فرد إلى واقع معاش.
إن من الضروري في البداية الإشارة إلى الطبيعة المسلمة المحافظة للمجتمع الليبي، وإلى تدينه المعتدل والوسطي، حيث يهيمن في البلاد المذهب المالكي (إلى جانب المذهب الإباضي المنتشر بين الأمازيغ في منطقة جبل نفوسة وما حولها). ولهذه الطبيعة الاجتماعية والدينية تأثيرات مهمة على مسارات التفاعلات السياسية والاجتماعية وعلى قوة التيارات والاتجاهات والقوى السياسية المختلفة التي برزت في ليبيا الحديثة فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، سواء خلال الإدارة العسكرية البريطانية والفرنسية، أو في ظل النظام الملكي ونظام القذافي. ولعل أبرز هذه التأثيرات تضاؤل إمكانية غرس أية أيديولوجيا متطرفة سواء كانت إسلامية أم علمانية.
من ناحية أخرى، أدت عمليات التحديث الاجتماعي والاقتصادي اعتباراً من منتصف ستينيات القرن الفائت إلى زيادة تجانس النسيج الاجتماعي في ليبيا وإلى تناقص تأثير الولاءات والانتماءات القبلية والجهوية وتعزيز الولاءات الوطنية والأحاسيس بالانتماء إلى كيان أكبر وأشمل يجمع كل الليبيين. وعلى الرغم من تركيز المحللين الغربيين بالأخص على الانقسامات القبلية وتأثيراتها على العملية السياسية في ليبيا حالياً، فالواضح أن هذه التحليلات تستند إلى تصور للتركيبة القبلية وتأثيراتها في الحياة السياسية مرجعيته أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين وليس الوقت الحالي. ولم تأخذ في اعتبارها التطورات الاجتماعية والاقتصادية وما شهدته ليبيا من معالم التحديث في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والتي تمثلت في ارتفاع مستويات الحضرية والتعليم والاتصالات والمواصلات التي ساهمت بدرجة كبيرة في تجانس المجتمع الليبي وتفتيت الولاءات القبلية والجهوية والتقليل من أهميتها إلى حد كبير في تحديد مسارات التفاعلات السياسية.
ورغم محاولة نظام القذافي استغلال الولاءات القبلية والجهوية طيلة مدة حكمه للتأثير على المشهد السياسي الليبي، إلى جانب محاولته لتصوير ثورة 17 فبراير على أنها تهدف إلى تقسيم ليبيا قبليا وجهويا، فإن تطورات الأحداث والخطاب السياسي للثوار يعكس بصورة جلية الوحدة الوطنية ونبذ النعرات القبلية والجهوية على الرغم من وجود أصوات هنا وهناك ترفع شعارات جهوية وقبلية.

كذلك، لا يستقيم الحديث عن التفاعلات السياسية الحالية في ليبيا، وعن المسارات التي يمكن أن تتخذها، دون القيام بإطلالة سريعة على طبيعة هذه التفاعلات خلال الفترة الماضية منذ استقلال ليبيا في نهاية 1951 وحتى قيام ثورة 17 فبراير 2011. ومرد ذلك أن التطورات السياسية خلال تلك المرحلة تلقي بظلالها على التفاعلات السياسية الحالية وتؤثر على مساراتها بصورة أو بأخرى.
المشهد السياسي الليبي 1951-2011
المشهد السياسي بعد ثورة 17 فبراير
مجال سياسي جديد: نحو عقد جديد
صياغة قواعد سياسية جديدة


المشهد السياسي الليبي 1951-2011 
من الملاحظ أن رؤية النظام الملكي (1951-1969) لطبيعة دور التنظيمات والقوى الحزبية في الحياة السياسية لا تختلف جوهرياً عن رؤية نظام القذافي (1969-2011)، إلا أن النظامين يختلفان جذرياً حول آليات التعامل مع هذه الحركات والتنظيمات وسبل مواجهتها.
ففي الوقت الذي استخدم النظام الملكي، كما سوف يتضح، اليد الناعمة تجاه هذه التنظيمات، فإن نظام القذافي كان أكثر عنفاً وقسوة في تعامله مع أية حركات أو اتجاهات سياسية لا تتفق مع أيديولوجيته ورؤاه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويتوجب قبل تحليل التفاعلات السياسية في ليبيا خلال العهد الملكي وعهد القذافي التطرق إلى تفاعلات المشهد السياسي خلال فترة الإدارة العسكرية البريطانية في برقة (1943-1949)، وفي طرابلس خلال الفترة (1943-1951). فمنذ انتهاء الاستعمار الايطالي وسيطرة الحلفاء على ليبيا 1943، نشطت القوى السياسية في العمل في كل من برقة وطرابلس من أجل تحقيق استقلال ليبيا ووحدتها بأقاليمها الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان. ولقد تشكل العديد من التنظيمات السياسية في برقة، من أهمها جمعية عمر المختار، وفي طرابلس ومن أهمها حزب المؤتمر الوطني. قام هذان التنظيمان بدور مهم في الحراك السياسي الليبي خلال الأربعينيات وكان لهما تأثير كبير على مسار الأحداث وعلى قيام دولة ليبيا الموحدة. غير أن رؤية النظام الملكي لدور العمل السياسي التنظيمي برزت قبل إعلان استقلال ليبيا، فلقد قامت حكومة إمارة برقة، التي أعلن قيامها واستقلالها عام 1949 بحل جمعية عمر المختار والنادي الأهلي الرياضي التابع لها وإغلاق مركزها العام في بنغازي وفرعها في درنة في 20 يوليو/تموز 1950، بذريعة قيام أنصار الجمعية بمظاهرة دون ترخيص رسمي وقيامهم بأعمال شغب. أما حزب المؤتمر الوطني في طرابلس فقد تم حله عقب الاضطرابات التي صاحبت أول انتخابات تشريعية بعد الاستقلال عام 1952، ونُفي زعيمه بشير السعداوي خارج البلاد بحجة أنه يحمل جنسية غير ليبية. ومنذ ذلك الوقت مُنع تكوين أي تنظيمات أو أحزاب سياسية في ليبيا.
بيد أن هذا الحظر على تكوين الأحزاب والتنظيمات السياسية في ليبيا لم يمنع من بروز مثل هذه التنظيمات بشكل سري تأثراً بالتطورات السياسية الداخلية والإقليمية، ومن أن يكون لها دور مهم في الشارع السياسي الليبي. وقد برزت خلال العهد الملكي ثلاثة تيارات أساسية في المشهد السياسي الليبي، وهي التيار الإسلامي والتيار القومي والتيار اليساري.
يُمثل التيار الإسلامي مكوناً أساسياً من مكونات المشهد السياسي خلال العهد الملكي، وقد تمظهر هذا التيار في حركة الإخوان المسلمين التي كانت تعبر عن الاتجاه الإسلامي الرئيسي في ذلك الوقت، باعتبار أنه لم يكن هناك تواجد فعال للاتجاهات الإسلامية الأخرى التي برزت ونمت خلال سبعينيات القرن الماضي.
وقد دخل التأثير الفكري والتنظيمي لحركة الإخوان المسلمين إلى ليبيا ومدينة بنغازي على الأخص في أواخر الأربعينيات، عندما هرب ثلاثة من شباب الإخوان المسلمين (من بينهم المرحوم الدكتور عز الدين إبراهيم الذي عمل فيما بعد مستشارا في دولة الإمارات العربية المتحدة) من مصر إلى ليبيا بعد اتهامهم بالمشاركة في اغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت، ومنحهم الأمير إدريس السنوسي، أمير برقة في ذلك الوقت، حق اللجوء السياسي. ولقد تأثر العديد من شباب مدينة بنغازي بأفكار وآراء الإخوان التي كانوا يدعون إليها من خلال مواعظهم ودروسهم الدينية في المساجد وعبر المحاضرات العامة. ومنذ ذلك الوقت أصبح لفكر الإخوان المسلمين حضور بارز في المشهد الديني والثقافي والسياسي في مدينة بنغازي، ثم امتد إلى بقية مدن ومناطق ليبيا دون أن يتجسد ذلك ضمن إطار تنظيمي علني بواقع الحظر الذي فرضته السلطات الليبية خلال ذلك الوقت.
ويعتبر التيار القومي - الذي يشمل الناصريين والبعثيين وحركة القوميين العرب- المكون الأساسي الثاني في المشهد السياسي الليبي خلال العهد الملكي. وقد انتشر الفكر القومي في ليبيا نتيجة لعدة عوامل من أهمها بروز شخصية عبد الناصر ومعه الخطاب السياسي القومي المناهض للاستعمار والامبريالية. وأصبح التوجه الناصري المكون الرئيسي في التيار القومي في ليبيا. إلا أن حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب كان لهما تواجد مؤثر في الساحة الفكرية والسياسية الليبية خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. وفي عام 1960 ألقت السلطات الليبية القبض على مجموعة من المثقفين والشباب من عدة مدن ليبية بتهمة تشكيل تنظيم سري محظور يتبع حزب البعث العربي في سوريا. وحكمت السلطات القضائية على المتهمين بأحكام خفيفة تراوحت ما بين عدة سنوات وعدة أشهر. وفي عام 1967 أعلنت الحكومة الليبية اكتشاف تنظيم سري تابع لحركة القوميين العرب وحوكم أعضاء التنظيم وصدرت ضدهم أحكام مماثلة لما صدر ضد التنظيم البعثي. وكان من بين المتهمين في الحالتين أشخاص سوريون وفلسطينيون وأردنيون ممن كانوا يعملون في ليبيا في مجال التدريس وغيره من المجالات.
أما التيار الثالث فيتكون من مجموعة من اليساريين الذين تأثروا بالفكر الماركسي اليساري خلال دراستهم خارج ليبيا أو عبر اطّلاعهم على الأدبيات اليسارية والماركسية داخل البلاد. كما يشمل هذا التيار أنصار حركة القوميين العرب الذين تخلوا عن الفكر القومي وتبنوا الفكر الماركسي واليساري عموماً بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967.
من خلال استعراض أهم التيارات السياسية في ليبيا خلال العهد الملكي يمكن إبداء الملاحظات التالية:
  • إن وجود هذه التيارات، وبالذات التيار الإسلامي والتيار القومي، يعكس مدى تأثر المشهد السياسي الليبي بتفاعلات البيئة العربية المحيطة. وفي الواقع، فإن هذين التيارين ساعدا على تبلور هوية عربية إسلامية في ليبيا عبر المقررات الدراسية ووسائل الإعلام المصرية. وربما كان ذلك أحد أسباب تقهقر الهويات القبلية والجهوية في ليبيا، إلى جانب تأثير العملية التحديثية ذاتها.
  • لقد اختلف تأثير هذه التيارات على الشارع الليبي من فترة لأخرى, فخلال الخمسينيات وحتى 1967 كان الاتجاه الناصري هو الاتجاه الغالب. فعلى سبيل المثال، تأثرت شعبية التيار الإسلامي، الذي كان ممثلاً أساسا في الإخوان المسلمين، بصراعه مع عبد الناصر خلال تلك الفترة. وينطبق الأمر نفسه على الاتجاه البعثي خلال النصف الأول من الستينيات. إلا أن كل ذلك تغير بعد هزيمة 1967، حيث تقلص تأثير الفكر القومي والناصري على وجه التحديد، وبرز التيار الإسلامي بمكونات واتجاهات جديدة تنافس فكر الإخوان المسلمين وتعبر عن توجهات مختلفة مثل حزب التحرير الإسلامي وغيره.
  • رغم أنه كان هناك قبول واسع في الشارع الليبي للتيارين القومي والإسلامي، فإن التيارات الثلاثة (الإسلامي والقومي واليساري) كانت من الناحية التنظيمية ظاهرة نخبوية ضمت عدة مئات أو آلاف من المثقفين والناشطين والمهتمين بالشأن العام، ولم تتمكن تنظيمياً من التغلغل في مختلف أوساط المجتمع الليبي، ومرد ذلك أساساً إلى عدم قدرتها على التنظيم العلني القانوني. ولعل المشهد كان سيختلف كثيراً لولا هذا الحظر.
  • من أهم تداعيات حظر تكوين التنظيمات والأحزاب السياسية في العهد الملكي خلق فراغ مؤسسي على مستوى التنظيم المدني. ولقد استفاد نظام القذافي كثيرا من هذا الفراغ، حيث لم تكن هناك أية تنظيمات مدنية مستقلة قادرة على أن تكوّن قوة موازنة لنظام القذافي والتنظيمات التي خلقها.
وبالرغم من أن التوجه العام لنظام القذافي تجاه التنظيمات والأحزاب السياسية المستقلة لم يختلف عن توجهات النظام الملكي, إلا أن كيفية التعامل وأدواته تغيرت تغيراً جذرياً وحاسماً، واتخذت مساراً عنيفاً وقمعياً. ففي حين أن القذافي استعان ببعض العناصر القومية في أول حكومة بعد الانقلاب العسكري عام 1969، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً.
وتم التخلي عن هذه العناصر في التشكيلات الحكومية اللاحقة، وتولى العسكريون عدة مناصب فيها إلى جانب الاستعانة ببعض التكنوقراط الذين ليست لهم توجهات سياسية واضحة.
وقد بدأت عملية القمع بصدور قانون تجريم الحزبية عام 1972 الذي جعل تشكيل أو الانضمام إلى أحزاب وتنظيمات سياسية جريمة عقوبتها الإعدام. وفي عام 1973، وبعد إعلان الثورة الشعبية، تم إلقاء القبض على المئات من المثقفين من مختلف التيارات والاتجاهات الإسلامية والقومية واليسارية. ولم يعد هناك مكان في المشهد السياسي إلا للتنظيمات التي خلقها النظام، مثل الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة اللجان الثورية وغيرها. واستمرت عمليات القمع والاعتقالات والإعدامات التي طالت المثقفين والناشطين سياسياً داخل ليبيا وخارجها خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. بدأت عمليات القمع بالتخلص من العناصر المناوئة في القوات المسلحة أعوام 1969 و1970 و1975، ثم امتدت إلى القطاع الطلابي عامي 1976 و1977، وإلى المثقفين عام 1978، وإلى المعارضة الخارجية في الثمانينيات، إلى جانب المواجهات المسلحة مع الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة خلال النصف الأول من التسعينيات، وإلقاء القبض على مجموعات من المنتمين للإخوان المسلمين عام 1998.
مع بدايات 2011 كان المشهد السياسي الليبي على النحو التالي:
  • استمر نظام القذافي في عدائه الصريح لأية محاولات لتأسيس تنظيمات سياسية تتبنى أفكاراً وتوجهات تتعارض مع أفكاره وتوجهاته كما عبر عنها في الكتاب الأخضر.
  • أدى بروز سيف الإسلام القذافي ودعوته منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لإدخال بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والدستورية إلى انقسام المعارضين للنظام في الداخل والخارج إلى تيارين رئيسيين: تيار يضم مجموعات من المثقفين والناشطين السياسيين من مختلف الاتجاهات الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية والعلمانية، يدعو إلى الاستفادة من الهامش المتاح والعمل على توسيعه وتعميقه ودفع النظام إلى القيام بإصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية بحسبان أنه البديل العملي المتاح، وتيار آخر يضم مجموعات من المثقفين والناشطين السياسيين من مختلف الاتجاهات أيضا الذين يرون أنه لا فائدة من التعامل مع النظام القائم وأنه ليس هناك أمل في إصلاحه وأن السبيل الوحيد هو النضال ضده حتى يسقط دون تحديد كيفية القيام بذلك ومتى.
  • الراهن، أنه مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي اتضح جلياً أن النظام غير جاد في حديث الإصلاح وأن القوى المهيمنة متشبثة بمواقعها ولا تقبل إدخال أية إصلاحات على النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ليبيا. وانسحب الكثير من الذين حاولوا التفاعل مع النظام بهدوء، وساد إحساس بالإحباط وربما اليأس بين أوساط المثقفين والناشطين السياسيين حول التوجهات المستقبلية لليبيا.
  • جاءت ثورة 17 فبراير 2011 لتفاجئ معظم المحللين وصانعي القرار والناشطين سياسيا في ليبيا وخارجها، ولتدشن مرحلة جديدة بجيل جديد شاب غير مثقل بالتوجهات التنظيمية النمطية، وقادر على استخدام أدوات عصر العولمة، ومعبر عن خطاب سياسي ديمقراطي غير إقصائي، ومستعد للتضحية بالروح والجهد والوقت من أجل جعل هذا الخطاب واقعا معاشا.
نتيجة للسياسات القمعية لنظام القذافي، اضطر آلاف الليبيين للهجرة إلى الخارج منذ منتصف السبعينيات. ومع بداية الثمانينيات بدأ العديد من هؤلاء المهاجرين في تأسيس تنظيمات سياسية من مختلف الاتجاهات الإسلامية والقومية واليسارية. وكان لهذه التنظيمات دور مهم في معارضة نظام القذافي، وفي تأطير العمل السياسي ضمن أشكال تنظيمية لم يكن ميسراً القيام بها داخل ليبيا. وبعد قيام ثورة 17 فبراير عاد كثير من المعارضين إلى ليبيا للمشاركة في تشكيل الحياة السياسية وفي تأسيس نظام سياسي جديد. وبدأت هذه التيارات في تجميع قواها وفي تنظيم صفوفها من أجل حجز مكان لها في العملية السياسية. ورغم تعدد هذه الاتجاهات وتنوعها فإنه يمكن تصنيفها ضمن تيارين رئيسين: تيار إسلامي بكل اتجاهاته وتنويعاته، وتيار علماني بكل تنويعاته الليبرالية واليسارية. برز هذان التياران بشكل واضح من خلال الجدل الدائر حول المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي وتركيبتهما وأدائهما.
وبحسبان أنه لم يكن هناك وجود تنظيمي علني لأي من هذه التنظيمات خلال المرحلة السابقة، وباعتبار أنه لم تكن هناك انتخابات يمكن من خلالها قياس القوة النسبية لأي من هذه التيارات، يصبح من الصعب تحديد تأثيرها النسبي الفعلي والمحتمل على توازنات القوى وعلى التوجهات السياسية الليبية. إلا أن من الممكن القول إن التيارات الإسلامية تكتسب ميزة نسبية مقارنة بالتيار العلماني، لعدة أسباب، منها التوجه الإسلامي العام للمجتمع الليبي الأمر الذي يوسِّع قاعدة التجنيد المحتملة لهذه التيارات، إلى جانب الخبرة التنظيمية السابقة في العمل السري لكل من الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المقاتلة، واستفادة الإخوان المسلمين من شبكة تنظيمية إقليمية تتجاوز حدود الدولة الليبية، الأمر الذي لم يتوفر حتى الآن للتيار العلماني، حيث إن معظم المحسوبين عليه يتحركون ويعملون بصفة فردية ودون وجود غطاء تنظيمي يجمعهم وينسق بينهم، بالإضافة إلى ربط العلمانية بالإلحاد عند الكثيرين بدون أي فهم حقيقي لها، مما يقلص احتمالات انتشارها وكسبها الأنصار.
إلى جانب هذه التيارات التي تعكس في واقع الأمر مواقف سابقة وتعبر عن اتجاهات شهدتها الحقبة الماضية وتتأثر توجهاتها وتفاعلاتها بخبرات تلك المرحلة وتداعياتها، يوجد تيار عريض يمثل جيلاً جديداً برز من رحم ثورة 17 فبراير وكان هو شرارتها ووقود استمرارها وتوهجها. تيار يعبر عن فكر جديد غير مثقل بالمواقف المسبقة للتيارات التقليدية ولا بسياساتها وتوجهاتها وليست له أجندة سياسية مسبقة، بل يحركه إحساس عام بالإحباط والإقصاء. وهذا التيار يمثل الكتلة الحاسمة التي سوف يكون لها التأثير الأكبر والأهم على مسار التفاعلات الحالية والمستقبلية وعلى العملية السياسية في ليبيا. إنه جيل ليست له كما يبدو حتى الآن أية أيديولوجيات سياسية واضحة عدا المناداة بإقامة نظام ديمقراطي يتسع للجميع ولا يقصي أحدا. ويرجع ذلك إلى أن معظم هذا التيار الجديد يتكون من خريجي الجامعات وغيرهم من الشباب العاطلين عن العمل الذين لم يتح لهم نظام القذافي فرص المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية ولم يوفر لهم فرص العمل الشريف. وتأسيسا على ذلك ليس من السهل صبغ هذا التيار بصبغة سياسية أو أيديولوجية محددة، فهو، كما هو الحال في تونس ومصر، يمثل ظاهرة جديدة في الحياة السياسية والاجتماعية العربية ويضع المحللين السياسيين والاجتماعيين العرب أمام تحديات جديدة تتطلب أدوات تحليل وأنماط تفكير وتصنيفات جديدة.
خلال الشهور السبعة السابقة، تجلى الحراك السياسي والتفاعلات بين هذه التيارات في ما يلي:
  • إصدار العشرات من الصحف والنشرات اليومية والأسبوعية والشهرية تتناول قضايا الشأن العام، وتعبر عن توجهاتها تجاه المسار الديمقراطي والعملية الدستورية، ومسائل حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، وسياسات المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي والمرحلة الانتقالية وغيرها. وتعكس هذه الصحف والنشرات إلى حد كبير رؤى واتجاهات التيارات السياسية المختلفة.
  • تأسيس عدد كبير من منظمات المجتمع المدني ذات الاهتمامات المتنوعة، خاصة فيما يتعلق بنشاطات الإغاثة والإعانات الإنسانية ومساعدة النازحين والمتضررين من القتال، إلى جانب الاهتمام ببعض القضايا العامة مثل التواصل بين المجلس الانتقالي والشباب وحقوق الإنسان ومساهمة المجتمع المدني في التحول الديمقراطي. ويلاحظ أن معظم هذه المنظمات تعبر عن تيار الشباب غير المرتبط بأية توجهات أيديولوجية إسلامية أو علمانية.
  • يسعى العديد من المثقفين والناشطين السياسيين من مختلف التيارات إلى تشكيل جبهة وطنية تهدف أساساً إلى الدفاع عن قيم الديمقراطية والتعددية والدستورية، وإلى إصدار ميثاق وطني عن مختلف التوجهات والتيارات السياسية يعلن الالتزام بقيم التسامح وقبول الآخر وتبني أدوات الحوار والعمل السلمي في النشاط السياسي.
  • الإعلان عن تشكيل أحزاب سياسية من قبل بعض الأفراد، إلا أنه حتى الآن لم يعلن أي من التيارات الرئيسية عن تشكيل أحزاب سياسية تعبر عنه، غير أنه من المفترض ضمنياً أن المسألة مسألة وقت قبل أن تعلن هذه التيارات عن تشكيل أحزاب سياسية تسعى من خلالها إلى التنافس على السلطة وتطبيق برامجها السياسية.
  • يدور حالياً جدل حول دور التشكيلات العسكرية للثوار في العملية السياسية، خاصة بعد انتهاء القتال وعودة المقاتلين إلى مدنهم وأعمالهم، ومدى التزامها بالعملية السياسية الديمقراطية وقيام الدولة المدنية الدستورية. إلا أن دمج هذه التشكيلات في الجيش أو الأمن الوطنييْن أو عودة أفرادها إلى الحياة المدنية يشكل هاجساً ومشكلة ويثير جدلاً ونقاشاً يتسم أحياناً بالحدة والانفعالية. وتمثل هذه التشكيلات جزءاً من الكتلة الحاسمة التي سوف يكون لها تأثير عميق على تفاعلات الأحداث ومساراتها في ليبيا.
الراهن، أن المشهد السياسي والاجتماعي الليبي يشهد حراكاً غير مسبوق وتفاعلاً حول قضايا السياسة الداخلية وأهمها النقاشات الدائرة حالياً حول أداء وشرعية المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي ورئيسه الدكتور محمود جبريل. وأدى ذلك إلى استقطاب واضح بين مجموعة من الإسلاميين، الذين دعوا صراحة إلى استقالته واستقالة بقية ما أطلقوا عليهم صفة العلمانيين في المكتب التنفيذي، وبين مجموعات أخرى ترى أن الوقت غير مناسب لمثل هذا الجدل ويتوجب الانتظار حتى تحرير البلاد بالكامل والقضاء على القذافي ونظامه بشكل كامل وتام. إلى جانب هذا الجدل، تشارك منظمات المجتمع المدني في نقاشات جادة حول طبيعة المرحلة الانتقالية والعملية الدستورية وكيفية بناء الدولة الديمقراطية المدنية التعددية.
من ناحية أخرى، لا يكتمل الحديث عن تفاعلات المشهد السياسي الليبي دون تناول دور العامل الخارجي. فلقد كان لهذا العامل دور فاعل ومؤثر على مسار الأحداث في ليبيا وعلى انتصار ثورة 17 فبراير. ومما لا شك فيه أن مواقف المجتمع الدولي عبر قرارات الجامعة العربية والأمم المتحدة وعبر مواقف دوله وتنظيماته القارية والإقليمية، سوف تؤثر إيجاباً أو سلباً على علاقات الدولة الليبية الجديدة مع هذه المنظمات والدول. وفي واقع الأمر، فإن التيارات السياسية في ليبيا تولي هذا الموضوع اهتمامها، وتتعدد اتجاهات أعضائها ما بين اتجاهات متشددة تدعو إلى أن يكون موقف مختلف الدول من الثورة هو المعيار الأساسي لتحديد علاقات ليبيا المستقبلية معها، وبين اتجاهات معتدلة تدعو إلى عدم التسرع في اتخاذ قرارات من هذا القبيل، وأن تكون المصلحة الوطنية والمصالح المشتركة هي المعيار الحاكم في تحديد هذه العلاقات.
صياغة قواعد سياسية جديدة 
خلاصة الأمر، فإن التفاعلات بين التيارات السياسية المختلفة ومساراتها المستقبلية سوف تتمحور حول عدة انشغالات من أهمها:
  1. مسار وتطورات العملية الدستورية وتأسيس الدولة الديمقراطية المدنية التعددية. وفي واقع الحال، فإن الجدل قد بدأ بالفعل حول مكونات الدستور وطبيعة الدولة التي يصبو إليها الليبيون. ولعل الموضوع الذي سوف يثير حواراً ساخناً هو ما يتعلق بدور الشريعة الإسلامية وهوية الدولة الجديدة، وقضايا الحقوق اللغوية والثقافية للأقليات المختلفة، إلى جانب القضايا المتعلقة بشكل الدولة وتركيبتها السياسية ونوع نظام الحكم وطبيعة حقوق وواجبات المواطنة ومداها، ومطالبة بعض الأطراف ربط توزيع المناصب السياسية والوزارية بعدد الشهداء والجرحى الذين قدمتهم كل مدينة ومنطقة.
  2. قضية المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. بحسبان حجم القمع الذي تعرض له الليبيون طيلة حكم القذافي وما حدث من انتهاكات لحقوق الإنسان وتدمير للعديد من المدن الليبية وما تعرض له المواطنون الليبيون طيلة شهور القتال، فإن قضية المصالحة الوطنية تشكل ملفاً ساخناً تتم مناقشته بالعواطف قبل العقل، ويتم التعبير عنه بمواقف شديدة ومتطرفة، خاصة أن الأحداث لا تزال ساخنة وذكريات الانتهاكات لا تزال حية في أذهان من تعرضوا لها. ومما يزيد من تعقد المسألة أنها كانت عملية متراكمة استمرت اثنين وأربعين عاماً وشملت انتهاكات وقتلاً للأشخاص وغصبا للممتلكات. وهكذا، فإن قضية المصالحة الوطنية وتطبيق العدالة الانتقالية سوف تحتل حيزاً مهماً في تفاعلات المشهد الليبي، وحتى الآن لم تبرز مواقف محددة لمختلف التيارات السياسية حول هذه القضية. ومعظم ما يدور الآن من نقاش يعبر عن آراء وتوجهات فردية أكثر من أن يعبر عن توجهات تيارات سياسية بعينها. ومن أهم الإشكاليات في هذا الإطار ملاحقة اللجان الثورية والاقتصاص منها واسترداد الممتلكات المغتصبة بصورة فردية دون انتظار لحكم القانون.
  3. دور التشكيلات العسكرية وانتشار السلاح. وتمثل هذه المسألة إشكالية كبيرة للمجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي والمجتمع الليبي بصفة عامة. وسوف تؤثر كيفية التعامل معها على مسار التفاعل الديمقراطي في المرحلة الانتقالية وما بعدها. ويحرص المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي على التأكيد على ضرورة أن يتم دمج هذه التشكيلات ضمن قوات الجيش أو الأمن الوطنيين أو العودة إلى الحياة المدنية بعد انتهاء حرب التحرير. وتتخذ التيارات السياسية المختلفة وقيادات هذه التشكيلات مواقف مماثلة لموقف المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي، حيث تؤكد جميعها في خطابها السياسي وتصريحاتها المختلفة على أنه لن يكون هناك دور للسلاح في العملية السياسية، وعلى إيمانها بالحوار وعدم الإقصاء والتداول السلمي للسلطة. ولكن يظل المحك الحقيقي هو السلوك الفعلي لهذه التشكيلات عند انتهاء العمليات العسكرية وعودتها إلى الحياة المدنية.
  4. احتمالات بروز التطرف الفكري والسياسي. ويشغل هذا الموضوع حيزاً كبيراً في المشهد السياسي الليبي منذ الأسابيع الأولى من ثورة 17 فبراير. ولقد عبرت الدول الغربية، تلميحاً وصراحة، عن قلقها من سيطرة ما أسمته التطرف الإسلامي، وخاصة القاعدة، على مسار الأحداث في ليبيا. وكان هذا القلق من ضمن العوامل الرئيسية التي جعلت الدول الغربية تتلكأ في الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلاً شرعياً للشعب الليبي. واستغل نظام القذافي هذه القضية لتأجيج المخاوف الغربية عبر مزاعمه عن تغلغل القاعدة بين قوات الثوار، وعن عزم من سماهم بالإسلاميين المتطرفين إقامة إمارات إسلامية متشددة في ليبيا.
ولكن ما الاحتمالات الواقعية لهيمنة توجهات متطرفة أو راديكالية على المشهد السياسي الليبي؟ وما احتمالات أن تسيطر تيارات إقصائية تعمل على إعادة بناء نظام استبدادي مطلق؟
إن احتمال حدوث مثل هذا السيناريو يظل ضئيلا ولا يتطابق مع واقع الأمور والأحداث في ليبيا. وتتضافر مجموعة من العوامل لترجح عدم تحقق هذا السيناريو، ومن أهمها:
  • طبيعة المجتمع الليبي التي تتسم بالاعتدال، والإسلام السائد في ليبيا هو إسلام وسطي ينبذ التطرف مهما كان مصدره أو منطلقه. ولم يشهد التاريخ الحديث لليبيا هيمنة اتجاهات تتسم بالغلو والتشدد في تفسير المعتقدات الدينية وممارستها وفرضها. وحتى في الحالات القليلة التي برزت فيها مثل هذه التوجهات كان يتم رفضها على المستوى الاجتماعي والشعبي. ولم يكن التعاطف مع الجماعات الإسلامية الليبية المقاتلة في النصف الأول من تسعينيات القرن الفائت نتيجة لما تحمله من أفكار، بل نتيجة مباشرة لسياسات العنف والقمع المسلح التي استخدمها نظام القذافي ضدها.
  • إن الشباب الذين فجروا ثورة 17 فبراير، ومختلف فئات الشعب الليبي التي انضمت إليهم، خرجوا من أجل المطالبة بحقهم في الحرية والديمقراطية والمناداة بعدم الإقصاء ومناهضة استبداد نظام حكم القذافي. وليس من المتصور أن يرضى هؤلاء الشباب، الذين يمثلون الكتلة الحاسمة في المشهد السياسي الليبي، بالخضوع لأي نوع آخر من الاستبداد سواء أكان استبداداً باسم الإسلام أم العلمانية أم أي مسمى آخر.
  • إن كثيراً من أسباب التطرف، على الأقل في الحالة الليبية خلال التسعينيات، لا ترجع إلى هيمنة رؤية أيديولوجية معينة، بل ترجع أساسا إلى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وإلى السياسات الإقصائية والقمعية التي اتبعها نظام القذافي. إن معظم الشباب الذين كانوا نشطين ضمن الجماعات الإسلامية الليبية المقاتلة لم تتح لهم إمكانية المشاركة الحقيقية والفعالة في الحياة السياسية، ولم تتح لهم فرص العمل والتوظيف والمشاركة في النشاط الاقتصادي.

    وأدى ذلك إلى هيمنة الشعور بالإقصاء والتهميش. لذلك، فإن وجود نظام ديمقراطي تعددي يمنح فرص المشاركة المتساوية للجميع ويوفر فرص العمل في الحياة الاقتصادية ويضع السياسات الاجتماعية التي تشمل الكل دون إقصاء، سوف يزيل الكثير من الأسباب والعوامل التي تدفع إلى التطرف والتشدد والغلو والعنف.
  • قضايا السياسة الخارجية. كما تمت الإشارة إليه أعلاه، فإن العامل الخارجي كان حاضراً بقوة في المشهد الليبي خلال الشهور الماضية. ومما لا شك فيه، فإن مواقف الدول المختلفة تجاه ثورة 17 فبراير سوف يكون لها تأثير حاسم، خاصة على المدى القصير، على طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين ليبيا وهذه الدول. ورغم أن التيارات السياسية المختلفة لم تتخذ حتى الآن موقفاً واضحاً تجاه هذه القضية، فإن الانطباع العام عن توجهات الرأي العام الليبي يشير إلى أن هناك اتجاهاً لأن يتم التعامل مع هذه الدول وفقاً لموقفها من الثورة الليبية. وفي واقع الأمر فإن العديد من مسؤولي المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي قد ألمحوا في تصريحاتهم إلى أن هذا العامل سوف يؤثر على علاقات ليبيا الخارجية، خاصة على المدى القصير. الحاصل، أن السياسة الخارجية الليبية وعلاقات ليبيا مع المجتمع الدولي سوف تشهد تحولات حاسمة، فمن المتوقع أن يحدث تحول في اهتمامات السياسية الخارجية الليبية. فمثلاً، لن تشغل إفريقيا نفس الحيز الذي شغلته خلال نظام القذافي، خاصة بالنظر إلى مواقف الاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية غير الودية، والمعادية أحياناً لثورة 17 فبراير. كما أن العلاقات مع الجزائر تتطلب معالجة دقيقة وحرصاً شديداً في ضوء العلاقات التاريخية والجغرافية التي تربط البلدين معاً.
وبالنظر إلى مواقف الجامعة العربية ومعظم الدول العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودوله والولايات المتحدة الأميركية، فمن المتوقع أن تكون توجهات السياسة الخارجية الليبية تجاه هذه الأطراف أكثر إيجابية وتركيزا.
المهم أن تستند هذه السياسة على أسس المصلحة الوطنية الليبية وعلى الفوائد المشتركة لكل الأطراف، الأمر الذي لم تعبر عنه السياسة الخارجية لنظام القذافي. وفي حالة حدوث ذلك، فإن السياسة الخارجية الليبية سوف تتسم بالمصداقية وإمكانية توقع مواقفها واتجاهاتها، وليس بالمزاجية وتقلب الموقف والتوجهات التي كانت تحكم السياسة الخارجية في نظام القذافي.
__________________
أستاذ العلوم السياسية - جامعة بنغازي (قاريونس سابقاً)

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

ليست هناك تعليقات: