الضـحـكُ الـمـر .. القاص: إبراهيم بيوض



لعله التغير المناخي اللعين الذي حال دون أن يعم السيل أرجاء الوادي الذي عانى من سنوات جدب طوال. هذا ما قالته  الكتب اللعينة التي سرقت عمري. يالله. أخيرا وجدت فيها بعض الفائدة ذلك حقا مدهش. كلا بل مضحك.
جاء الوادي سواقي، وود أكثرنا لو لم يأت لأن الجدب رغم قسوته أكثر عدلا على الأقل، لا أحد يحس بالحسرة على شي. ودعني اعترف إن سني الجدب تجعل القراءة أكثر متعة لأنها تجعل الأحلام تتوالد في راسك وتملأ الأفاق بالملائكة.
جاء الوادي سواقي، وكذبت نبوءات الأحوال الجوية التي بشرت بأعوام الصابة.

جاءت ساقية واحدة واتكأت قبل أن تبلغ الوادي نحو الركن القصي خلف تلة الرمل. ومما زاد الأمر سوءً هو تلك الحفرة التي جهزها بعضهم في ذلك الركن بالذات من الوادي. كانوا يحفرون كالجرذان  طوال الصيف وينقلون الرمل بعيدا. لم يعر أحد من سكان الوادي الأمر أي أهمية حتى ذلك اليوم حين جاءت الساقية وبدأت الحفرة تبتلع الماء طوال النهار دون تمتلئ.
سكن الوادي طوال الليل، كانت أشجار الزيتون تنصت في لهفة وتشتم الطل دون تنال قطرة.
ما إن بلغت الساقية الحفرة حتى زغرد مغمض العينين ضفدع، فاستجابت زواحف كثيرة للنشيد. تسابقت نحو الحفرة الخنافس والصراصير وألقت بنفسها من الحافة وظلت تسبح طوال الليل.
كنا في الضفة الأخرى ننتظر الصباح. لابد أن يعم السيل أرجاء الوادي لابد أن تصدق نشرة الأحوال الجوية هده المرة، وإلا سيكون من الصعب تخيل الأمر. ما العمل لنسقي شجيراتنا التي حالت بينها وبين الساقية تلة من رمل بناه القدر، حين كان أكثرنا ينتظر أن تعم الرحمة، فقضى عمره يطارد الكتب اللعينة ويحلم بالملائكة تنظم حركة السير على ضفاف الوادي. ما أقسى أن تسكن الوادي وترى شجيرتك ظمئ تذبل، يتساقط ورقها ورقة ورقة، وفي الضفة الأخرى حفرة تسبح فيها الخنافس والصراصير. ما أقسى أن تتجاهل الأمر. يالله ألا تعم رحمتك أرجاء الوادي .
أشرقت الشمس خجلى في اليوم التالي كانت الحفرة قد فاضت. سبح بعض الأولاد قبل الضحى واصطفت على إحدى ضفافها بعض الماشية ولاحقا سبحت بعض الكلاب أيضا. سارت الساقية في خط متعرج وتفادت شجرة الزيتون الوحيدة التي تملكها عائلتي. يالله لابد في الأمر من حكمة. هكذا أيضا تقول معظم الكتب التي كنت قرأت.
قصدت تلة الرمل أعزلا إلا من كتابٍ لم أتمه البارحة، برفقتي أخي الأصغر، الذي كان يصارع معولا ثقيل. يسقط منه فيسبه بغضب ويعود في عناد، يحمله ويمضي بجانبي نحو تلة الرمل والحفرة وشجرتنا الظمئ.
كان والدي يقول إنه لا يجدر بك أن تسكن الوادي أن تركت الساقية تفوتك. وكان 1لك بالذات ما حدث، فشعرت بالخجل من نفسي. وجدنا الساقية قد مضت بعيداً، فشرعنا في شق تلة الرمل وأفلحنا قبل الضحى في شق خط صغير من الماء كان أشبه بخيط اللعاب، أفلح في بل عروق  الشجرة ثم ابتلعته التلة العطشى فأتممنا السقاية بالسطل حتى منتصف النهار. 
خيل إلي أن الشجرة قد اهتزت رغم السكون فجلست أراقبها تمايلت ببطء فسقطت بعض الأوراق اليابسة قلت في نفسي لابد وأنها ترقص فرحا حتى بخيط اللعاب هذا.. تطايرت بعض أوراق الكتاب بعيدا وسقط بعضها في الحفرة غابت سطورها في الطين، وتسلقت خنافس وصراصير وحشرات أخرى، لا أعرف لها اسما تلك الأوراق الطافية في الحفرة. واستمر الضفدع المغمض العينين في الزغاريد. اهتزت شجيرتنا مرة أخرى، فقال أخي الأصغر الذي كان يبني صرحا من الطين وينتف برفق ورق الكتاب:
- رأيت في الحلم شجرًاً يهتز حين يضحك.
دون أن يدري وكأنه كان يقرأ أفكاري، أفلح في فك لغز كان يحيرني. لا شيء حقاً أكثر حرقة من الضحك. الضحك من كل شيء حين تفوتك الساقية.

ليست هناك تعليقات: