الخاطــر في اللهجـــة الليبية


قراءة في  مفردات اللهجة الليبيَّة

بقلم : يوسف الغزال
الخاطــر في  اللهجـــة
للهجة الليبية كغيرها من اللهجات مليئة بالألفاظ والمفردات والتراكيب العربية المتداولة في عموم  أقطار الوطن العربي  ،  ولذا  يمكن ملاحظة  تقارب كل اللهجات  بل تداخلها من حيث النشأة الأولى في  الجزيرة العربية  ،  ثم انتشارها فيما بعد  ،  وتباعدها وتجاورها من حيث الموقع الجغرافي  ؛ ولهذا معظم المفردات في  اللهجات تعود إلى جذر الكلمة الأصلية في معاجم اللغة العربية  ،  وكل هذا معروف لدى الجميع  ،  وقد  يأتي  من  يهتم  بالبحث في  علاقة اللهجات المحلية باللغة الفصحى  ،  أو  يأتي  من  يهتم  بعلاقة اللهجات المحلية ببعضها  ،  أو ما يجمعها من  تقاطعات أو  يفرق  بينها من تباينات  ،  ويسجل كل ما  يلمسه عناصر الاتفاق وعناصر الاختلاف فيما بينها  .
في  هذا المقال سنتناول الجانب الآخر  ،  وهو البحث عن عبقرية اللهجة في  توظيف مفرداتها وصياغة أساليبها  ،  وما تتمتع به من خصوصية محلية  ،  وقيمة فنية  ،  والتي  لا  يمكن الإحساس بها وتقدير قيمتها بسبب الألفة واعتياد الاستخدام اليومي  لعبارات أو كلمات ولدت قبلنا،  وجئنا للحياة لنجدها قد بلغت تمامها وحققت شيوعها  ،  ونالت ذيوعها على ألسنة أهلنا  ،  مما  يجعلها بعيدة عن الشك أو الغموض الذي  يدفع بها لساحات الدراسة والبحث والتمحيص  ،  وتظلُّ  بيننا  ،  ونحن نعتقد بوضوحها  ،  وكأننا  نفهمها  حق فهمها  ،  وهذا وهم  خادع يدخل  ضمن أوهام  اللغة التي  حذر منها  ( فرنسيس بيكون  ) قبل خمسمائة عام  ،  وحارب الوهم والزيف الذي  يصبح عن طريق التعود والألف،  حقيقة  يعتقد الناس في  صحتها ومن أجل هذا قال عبارته الشهيرة  ( إن الألف لا  ينفي  الزيف  ).
التداخل بين الوهم والحقيقة  ،  حالة شائعة بين عقول الناس  ،  فقد تعتاد العقول على الأخطاء الشائعة حتى تعتقد في  صحة بيانها  ،  وتألف حواسنا شكل بنيانها .

من أجل هذا  ،  نحن في  حاجة دائمة إلى نوعية من البحوث التي  تتناول المألوف  ،  لكشف كل ما  يختفي  وراء ستار الألفة من أخطاء  ،  وما ستر خلف حجاب لاعتياد  من عبقرية اللغة  ،  وما قد نكتشفه من إنجازات عقلية وحلول عملية عالج بها العقل الجمعي  في  ليبيا بعض من المشاكل التي  واجهته وهو  يبني  ( لهجته  ) أداة تفكيره الأولى  ،  ونبرز المهارات التي  أبدعها هذا العقل  ،  وكيف وضع تراكيب الجملة  ،  دلالات المفردة  ،  عبر حقبة من الزمن لا  يمكن التكهن بكل بتفاصيلها  ،  ثم تحميلها بالمعاني  التي  لا  يمكن أن تكون من إنجاز الإنسان الفرد بل جاءت نتاج مساهمة كل الناس  ،  أو ما نطلق عليه  ( العقل الجمعي ).
يمكن اختبار صحة هذا التحليل وغيره بتطبيقه على أحد المفردات الشائعة في  اللهجة  ،  أو اختبار تركيب الجمل الكلامية في  صياغة السؤال  ،وعلاقتها  بتركيب الجواب  ،  أو تكرار مفردات بعينها في  الصيغ  الحوارية في  هذه اللهجة أو تلك ؛ وسوف نتناول في  هذا البحث مفردة من المفردات المتداولة في  اللهجة الليبية  ،  وإلى أي  حد استطاع العقل الجمعي  تحميلها بالدلالات وتضمينها من توظيفات  ،  والهدف العام من مثل هذا البحث هو محاولة الاستدلال على درجة الخصوبة  في  اللهجة ونحن  نؤمن بأن خصوبة الدلالة في  المفردة هو مؤشر على خصوبة الفكر الذي  أنتجها  ،  ونبدأ بدراسة نماذج مختارة من مفردات اللهجة الليبية  .
المفردة الأولى  : ( الخاطر )
وردت هذه المفردة في  اللهجة الليبية  ،  واللهجة المصرية  ،  والتونسية  ،  وكل المغرب العربي في  معانٍ  متقاربة  ،  ودلالات متجاورة،  ويبقى الفرق في  خصوبة هذه المعاني  وتنوع دلالاتها وتعدد استخداماتها  ،  وهذا ما  يميز تاريخ المفردة في  رحلة تحولاتها وتطوراتها عبر الزمان والمكان  .
1 ـ المعنى الأول  : الخاطر في  اللهجة الليبية تعني  الضيف الذي  لا نتوقع زيارته  ،  ولم  يخطر لنا على بال لا هو،  ولا زيارته،  وربما  يعود سبب الزيارة إلى خاطرة خطرت على خاطره دونما سبب واضح  ،  وهنا تفرق اللهجة بين الضيف الذي  نتوقع زيارته والتي  تكون وفق موعد مسبق أو بمناسبة معروفة  ،  مثل تقديم التهاني  أو التعازي،  والخاطر الذي  قد  يأتي  بدون مناسبة أو سبب  ،  حتى  يقال أحيانًا  ( رمتني  الطريق عليكم  ) بمعني  جئتكم وما كنت أحسب المجيء إليكم  . 
2 ـ  المعنى الثاني  : الخاطر تعني  الشأن أو المكانة  ،  أو القدر التي  يحتفظ بها الإنسان لغيره من الناس  ،  حيث  يقال : :( على شأن خاطر فلان جئت ) و ( لولا فلان خاطر ما جئت  ) و ( فلان له خاطر كبير عندي ) .
3 ـ  المعني  الثالث : الخاطر،  بمعنى الذكرى،  وتجمع خواطر  ،  بمعنى الذكريات،  يقول الإنسان وهو  يتذكر(عندما تخطر على خاطري  تلك الأيام أشعر بكذا وكذا  ) ،  أو  يقال ( ما خطرتش على بالك  يوم  يا مسهرني ) أي  لم تتذكر من ذكرياتنا شيئا رغم  جمالها وكمالها  ،آه منك  يا ظالمني ،  أو  يا ناسيني  .
4 ـ  المعني  الرابع : الخاطر تعني  الرغبة والشوق،  حيث  يقال  : ( خاطري  في  النوم ) أو ( خاطري في  رؤية فولان  ) أو تأتي  في  أسلوب النفي  كما في  اللهجة الليبية  ( ما خاطريش في  شي  ) أو  ( ما خاطريش في  كلام  ) أو ما  ( خطريش في  نوم  ) .
5 ـ  المعنى الخامس : الخاطر بمعني  العقل،  يقال  : قال لي  خاطري  ( افعل كذا ) ولا  ( تفعل كذا  ) ويقال  ( خطرت بخاطري  خاطرة جميلة  ) والخاطرة هي  ليست فكرة  ،  وربما هي  شبه فكرة  ، الفكرة  تتصف بالقصديَّة  ،  ويمكن أن نقرِّر إنتاج فكرة ونسعى للحصول عليها من خلال عمليات التفكير،  أما الخاطرة تأتي  ــ كما  يقولون ــ عفوا الخاطر،  بمعني  تأتي  بدون مقدِّمات  ،  يقال : هذا الأديب  يكتب الخاطرة  ،  والخاطرة ليست شعرًا  ،  ولا أغنية  ،  ولا حكمة  ،  هي  خارجة عن كل الشروط ولا تعرف القيود ولا الحدود  ،  بل تقال أو تكتب  ،  كما تأتي  حرة طليقة  ( كما تخطر  ) وإن أية محاولة للمساس بها  ،  يخرجها من نطاق الخاطرة .
6 ـ  المعني  السادس : الخاطر بمعنى الوجدان  ،  وقد ورد الخاطر في  الأغاني  الليبية أكثر من مرة  ،  وفي  أكثر من معنى  ،  ومن الممكن أن  يلاحظ المرء خصوبة هذه المفردة وهي  ( الخاطر  ) ومن السهل أن  يرى المتابع  ،  كم هي  مشبعة بالدلالات النفسية والعاطفية  ،  ولنستمع إلى الفنان عادل عبد المجيد وهو  يتغنى  :
 هز الشوق حنايا الخاطر  . .
نزل دمعك  يا عيني  ماطر
 وحنايا الخاطر تعني  زوايا وخفايا الوجدان  ،  وما تسكنه من أحاسيس ومن مشاعر وأشواق ؛ إلى أن  يقول  :
 يااللِّي  حتى وأنت امباعد  
وين تخطر تهدا الخواطر
بمعنى كلما خطر ببالي  طيفك وأنت بعيد عني  ،  تهدأ خواطري  ويبرد لهيب أشواق  ،  بمعني تزول كل أسبا ب الوحشة التي  كانت  تهزّ  كياني  ،  وتؤرِّق وجداني .
7 ـ  المعني  السابع  : الخاطر بمعنى الحالة النفسية  ،  تقول الأغنية الليبية الشهيرة :
ساعات  يزهى خاطري  ودليلي
وساعات  يا دنيا علي  تميلي
يأتي  أوقات تزهى فيها نفسي  ويطرب فيها وجداني  ،  ويفرح لها قلبي  وساعات الدنيا كلها علي  تميل وتعطيني  بظهرها ولا أجد من الزهو،  أو الفرح شيئًا .
8 ـ  المعنى الثامن  : الخاطر بمعني  الشخصيَّة  ،  يعبَِّر عنه بعبارات متعارف عليها  ،  وهي  كثيرة لتداول بين الناس  يصفون من تعرَّضت شخصيته لمواقف صعبة  ،  أو أصيب بنكسة في  عمله  ، أو تعرَّض لكسر حرمته  ،  فإنه  يبقى مهمومًا وحزينًا حتى  يتعاطف معه الناس،  ويعبرون عن ذلك بقولهم  : ( فلان خاطره مكسور ) أو  يدعون له بقولهم  : ( فلان الله  يجبر بخاطره  ) أو  يقـال : ( فلان أخد بخاطر فلان  ) أو  يقال :( هذا كلام جبر خواطر ) وهذا  يشكو من ضيقة الخاطر،  وها هو الشاعر  الشعبي  عمِّي  ( إنبيَّة  ) يقول  :
يا ضيقة الخاطر علي  انهالي
كاني  عجبتك كل  يوم  تعالي
8  ـ  المعني  التاسع  : الخاطر بمعني  الشهية  في  الطعام  ،  أو الكلام  ،  حيث  يقال  ( ما عندي خاطر الغداء ) أو تقول المرأة الحاملة أثناء عملية الوحم  ( جاء خاطري  في  البطيخ ) أو ترفض الطعام  وتقول ما  ( خاطريش  ) ومعناها بالفصحى  ( لا شهية عندي  في  شيء  ).
9  ـ  المعني  العاشر  : الخاطر بمعنى الروح  ،  هذا المعنى  غير واضح كما كان الحال في  المعاني السابقة  ،  ولكن لابد من ذكر بعض الإشارات التي  وردت بالخصوص ؛ كثير من الحكايات التي يرويها الناس تفيد بأن الأرواح المتحابة تتواصل فيما عن بعد بينها  ،  حيث تشعر الأم مثلا بما قد  يتعرض له ولدها الغائب من مصائب  ،  وتقول  ( خاطري  موش مطمئن عليه  ) وهي  تعتقد بأنه جاءها إخطار بما حدث له  ،  أو أن خاطرها هو الذي  أخبرها وبأن ولدها  يعاني  من مشكلة ،  وعادة ما  يقال هذا الكلام بعد وصول أخبار مؤلمة عن الغائب .
أما الاعتقاد في  التواصل مع الموتى،  ورؤيتهم في  المنام والحديث معهم  ،  يدخل ضمن الخواطر والمشاعر التي  يعطيها بعض الناس أهميَّة بالغة  ،  والبعض منهم  ينقل وصايا الموتى كما سمعها في  الحلم  ،  ويعمل على تنفيذها  ،  عادة ما  يكون الناس كرماء مع موتاهم ويعتقدون بأن أرواحهم حية تسمع وترى أو تأكل وتشرب معهم أحيانا  , لدرجة أن بعضهم  يكثر من تناول الطعام الذي  كان  يحبه المرحوم في  حياته لعل روحه الطاهرة تشاركهم في  الأكل  ، ونجدهم كرماء معه في  الدعاء له بالمغفرة  ،  وكرماء معهم في  ذكر صفاتهم الحميدة  ،  وسرد مواقفهم النبيلة  ،  وقد  يلبُّون للميت كثير من المطالب التي  كان  يحبها في  حياته اعتقادا منهم بأن روحه  تفرح بها  ،  وفي  هذا المعني  قالوا :
ويـن كان حي  خاطرة في  البلحة
 ويـن مات علقـوا  له عرجون  
ولعله من المفيد والممتع في  خاتمة هذا البحث  ،  أن نقدِّم نموذج لمحاورة ليبية  تقوم على مفردة  ( الخاطر  ) ودلالاتها ومجالات توظيفاتها  .
( فلان خاطره مكسور،  وأني  خاطري  نوسِّعله خاطره  ،  ونخطر عليه خواطر تهدِّي  من خواطره  ، يمكن ربي  يأخذ  بخاطري  ويجبر بخاطره  ).
بقلم : يوسف الغزال

هناك 4 تعليقات:

mode_ly يقول...

السلام عليكم
مدونة رائعة
عندي سؤال؟
اريد اشتراك في خدمة adsense
و انا من ليبيا
فهل تم تفعيل حسابك! وهل وصلتك اي دفعوعات !
هذا ايميي
msh_1988ly@yahoo.com
و شكرا

Zanopia يقول...

السلام عليكم

بصراحة في معاني لهالكلمة أول مرة نعرفهن
وبجديات خاطري نعرف أكثر ، فياريت تكثيف منك فهالمواضيع ،

وبارك الله فيك على النقل الطيب

محمد عبدالقادر بوحويش يقول...

يا مودي .. بصراحة انا دخت عشان اشترك في ادسينس . ولغاية الان مش فاهم التفاصيل .. قصدي مش ح نعرف نشرحلك .. ولكن فيه مجموعة مدونات استفدت منها منها : منتديات عرب بلوجر
http://www.ar-blogger.com/vb/index.php

يا ريت تستفيد منها

محمد عبدالقادر بوحويش يقول...

زنوبيا شكرا للمتابعة .. الان عدت للمدونة بعد طول غياب .. وان شاء الله اهتم بيها اكثر