الشّاعر "عمران القزّون" .. وردوده الإبداعية على بعض الشّعراء . ( الأستاذ سليمان علي الساحلي )


من إبداعات الشّعراء الشّعبيين
الشّاعر "عمران القزّون"  .. وردوده الإبداعية على بعض الشّعراء
الأستاذ سليمان علي الساحلي

نشرت بصحيفة قورينا العدد 318 بتاريخ الأربعاء 19/11/2008
* * *
لا تتجلّى قدرة الشّاعر "عمران القزون" وموهبته الشّعرية فقط في قصائده ذات اللون المميز والطّابع الخاص الذي تفرّد به، بل تبدو واضحة أيضاً في انتقاءاته واختياراته لأبيات شعرية ساهم في الرّد عليها، بعد أن أجرى تعديلات معينة على هذه الأبيات، لتنسجم مع نمطه الخاص ورؤيته الفنية. وسنحاول في هذه القراءة المختصرة أن نسجل انطباعنا حول الكيفية التي تعامل بها "عمران" مع هذه النّصوص ومعالجته الفنية لها.
ومعروف أن قصائد "عمران" ذات نزعة تشاؤمية، كما أن بعض نصوصه يكسوها الطّابع التّأملي الفلسفي، فضلاً عن الغربة النّفسية والوجودية التي تلوح في جميع قصائده، وهو ينتقي مفرداته وعباراته بدقة بالغة، لتأتي كما أرادها غاية في البناء المحكم. وهذا أمر لا يكون على حساب قوة العاطفة وصدق المشاعر، فالقارئ أو المستمع لشعره يشعر بصدق العاطفة وحرارة الإحساس في جميع نصوصه الشّعرية.
 الرّد الأول: على قصيدة "البحر" للشّاعر "بوبكر رابح":
مطلع القصيدة : "عندي حكاية يا بحر كاميها         مفيت أنت ما نعرف لمن نحكيها"

صادف هذا البيت هوى في نفس شاعرنا، فالبحر وما يمثله من عالم فسيح رحب، قادر على احتواء الأسرار. ولطالما بثه الشّعراء والأدباء أشجانهم، واستودعوه مكنونات أنفسهم ولواعج أحزانهم، والعذابات التي أرقت الشّاعر وحولت حياته إلى جحيم، والتي ألمح إليها بإشارات وتلميحات فنية بليغة في قصائده السّابقة، ضاناً على البشر بالبوح بها، فمن غير البحر قادر على استيعابها واحتوائها؟ وأي مكان غير رمال شواطئه الذّهبية يمكن أن يدفن به تلك الأسرار المعذبة؟.
لكن البيت السّابق يحتاج إلى تعديل من "عمران" ليناسب ما يصطرع في نفسه وما يجول في خاطره فيصبح:
عندي حكاية يا بحر كاميها         خاطيك ما نقدر لحد نحكيها
لأنّ عدم بوح الشّاعر بأسرار نفسه ومكنونات فؤاده ليس نتيجة نقص المعرفة (ما نعرف لمن نحكيها)، وإنما هي مسألة قدرة، فهو يعرف الكثيرين، لكنه لا يستطيع البوح بأسراره لأي منهم، وذلك لفرط هول هذه الأسرار وخصوصيتها. وبينما نجد في قصيدة "بوبكر رابح" أشجاناً معتادة، تتمثل في فراق الحبيب وعزة النّفس والكرامة والكبرياء، وهي أمور متداولة في أحاديث النّاس اليومية، وقد استعرضها الشّاعر بلغة تقريرية مباشرة، نجد عمران يستخدم لغة إيحائية رمزية، تعتمد التّلميح دون التّصريح، فالهموم والأشجان التي بثها البحر نستطيع أن نستشف من خلالها معاناته وعذاباته، عبر غموض الإيحاء بالغربة النّفسية والوجودية، باستعماله كلمات ذات دلالة إيحائية معبرة (حيرة، غربة، نفي، صحراء، ضباب، هواجس).



حكاية حيره  ..            أو غربــه او نا بيـن الصحـاب مريـره

او م النفي داخل قريتي الصغيره ..  م القلب ضحكه صادقه شاهيها

اولبحيره الراكح سطحها عن غيره  ..  غريقه اوحكمه ف الحياة لاقيها

اوفي شي مو واضح لحد تفسيره  ..  الحي ان تعمق نعمته يربيها

يتعب ان شاخ عليه صوت ضميره  ..  اوتتعب عيون الصقرمن قانيها
لقيت ف العمي نعمه جليله خيره  ..  لي عين متمني عمى يعميها
حياة عمي جوف معاشرين سريره  ..  نفسي انروض ف الحياه عليها
رغم الضباب اللي كسا المسيره  ..  اوكثر الهواجس والوساوس فيها

                                   
واضح أن الغربة التي يشير إليها الشّاعر ليست غربة المكان، وإنما هي غربته النّفسية التي يعاني من "مرها"، رغم إقامته بين أهله وأصدقائه؛ هذه الغربة التي جعلته يشعر أنه منفي في وطنه، وحرمته الفرح والسّرور، لدرجة أنه يشتهي الضّحك الصّادق المنبعث من القلب.
وهو لا يفسر لنا أسباب غربته أو حيرته، وإنما يحيلنا بإشارة فنية رائعة إلى المثل القائل "المياه الرّاكدة عميقة الغور"، في تلميح منه إلى بعد أغوار نفسه وعمق أسراره، بالإضافة إلى أنها حكمة وجدها الشّاعر في حياته، كما أن هناك أشياء لا يمكن تفسيرها، منها أن الإنسان عندما يتعمق أحياناً في المعرفة تتحول النّعمة التي منّ الله بها عليه إلى نقمة، فعلى الرّغم من كون "يقظة الضّمير" نعمة من النّعم، لكنّها قد تصبح سبباً للشقاء، فالشخص الذي "شاخ" عليه ضميره، أي هيمن وسيطر وتحكم في مساره، هو في حالة تعب مستمر وألمٍ دائم. إنّ الضمير -كما هو معروف- هو "عين داخليّة"، تراقب أفعالنا وتصرّفاتنا، وترصد ما نفكّر به، فإذا كانت هذه "العين" في حالة صحو دائم، ولها سطوة على صاحبها، فإنها تسبّب له الشّقاء، كذلك العينان الخارجيتان "البصر" إذا كانتا كعيني الصّقر لاقطتين لكلّ ما تقعان عليه، فسيكون هذا مصدر تعب وشقاء "لقانيها"، أي لمن يقتني ويملك هاتين العينين. إن الشاعر من أجل ذلك يفضّل أن يتخلّص من هذه النّعمة/النّقمة، ليغدو العمى هو الحلّ الأمثل الّذي يريحه من هذه المعاناة، ويجنبه كذلك النظر إلى ما يكره. وهو لا يكتفي بذلك، بل يقرنها بعمى البصيرة "عمى جوف"، لأن عذاباته ستظل على ذات الحال لو ظلت بصيرته نافذة وضميره حياً، لذلك لابد أن يعيش أعمى البصر والبصيرة، منعزلاً في صحراء قاحلة "سريرة"، معترفاً بصعوبة تحقيق هذه الأمنية، من خلال استخدام مفردة "ترويض"، التي تدل على نفس جامحة تأبى الانصياع لمحاولات الشّاعر، عبر مسيرتها في الدّروب الضّبابية الملأى بالهواجس والوساوس.
وتأتي الشّطرة أو المقطع الثّاني من القصيدة مفعماً بالأجواء الرّومانسية الحزينة حيث يخاطب البحر قائلاً:



حكاية جافي     ..                لناقـص لقيه خـذا مكــان الوافــــي

وحكاية محنط في اكفان قوافي  ..  لليوم ما لقي من جثته يحييها

اوهاذي حكاية حاويات املافي  ..  اسردها بلا غيبه لمن يبيها

حكاية الطير اللي ابروحه لافي  ..  ايغرد اوسربه علم غيب ارويها

لمتا ايملن غربته المنافي  ..  اولمتا بلا سربه غريده فيها
والناس يرغبوه يكون كي الصحافي  ..  اوهم كل حد منهم تجيبه جيها 
حكاية غريب قليل زاد اوحافي  ..  ودروبه بعاد اوشوك من باديها
اوله قلب منهل خيرجمه صافي  ..  بحب اووفا زوادته ماليها
الهم واهبه ولقيه تحت السافي  ..  اوتوطى عليه الماره بحذيها
وان ما راد باخطاهم معاه يكافي  ..  دون غايته يقصر اللي ناويها
ان عاش يتحشم دوم عافي دافي  ..  الناس ياكلوا وجهه علي خاطيها
حكاية حياه تريد وجه اضافي  ..  اللي بوجه واحد عاش مايرضيها

إنه هو الذي "جفا" هذه الحياة، بعد أن انقلبت بها الموازين، وتبدّلت المعايير، فحل النّاقص محل الكامل؛ هذه الحياة التي تتطلب وجوهاً إضافية، فلا مكان فيها للإنسان الصّادق ذي الوجه الواحد. وهنا يرمز الشّاعر لهذا الشّخص بالطّائر المتفرد المغرد خارج السّرب، وهو الغريب السّائر حافي القدمين في دروب وعرة ملأى بالأشواك. هو الذي لم يضمر سوءاً لأحد، فقلبه بئر ملأى بالخير، يحب النّاس، ويحس بمعاناتهم، مقدماً لهم المواساة والعزاء، ولكن هؤلاء البشر لم يكترثوا بما قدمه لهم، بل تركوا هذا القلب الخيِّر ملقى في الطّريق، ينهال فوقه الغبار "السّافي"، وقد مرّوا فوق هذا القلب بأحذيتهم غير مبالين، مندفعين في حياتهم المختلة المبنية على الزّيف والخداع. ويتساءل الشّاعر بحزن: إلى متى تطول غربتي التي "ملّنها المنافي"، في إشارة فنية إلى تعدد هذه المنافي، وإلى طول مقامه بها، لدرجة أنها ضاقت ذرعاً بغربته، فإلى متى يظل مغرداً خارج السّرب متفرداً بلوعته وأوجاعه؟
أما المقطع الأخير من القصيدة الذي ينتهي بدفن سره في رمال الشّاطئ فهو -كما أعتقد- يمثل ذروة القصيدة الفنية حيث تكثر الصّور التي يشحنها الشّاعر بإيحاءات متنوعة فهو يبدأه:

جيتك جالي        ..   بسر يا غريق الجال خرب جالي

اوغيرك اوغير الليل مالي والي  ..  فيك شبهتي والليل في شبيها

اوجميلك علي كبير دوم اقبالي  ..  والليل ما علي جمايله نحصيها

القصر بو قبب بو برج عاجي عالي  ..  والخيمه اللي راعي غلم بانيها

لثنين يمتحن في عتمته من بالي  ..  ونروق من مناظر لضمير كريها
والاحساس نعمه قلته هيالي  ..  للنفس جلاّب لكدر يشقيها
ما مات في الطفل ردّا حالي  ..  فضوله مصادر فرحتي لاغيها
فيه التوالد لسئله وسوالي  ..  له كيف نثبته اوله ننفيها
وموالف علي شطك انكب شوالي  ..  اونقتل ملل م اللي خلا يخليها
اوفيك موتن للوّلي والتالي  ..  اسرارغير سرى غامضه طاويها
خلّي مكان اسماه عندك خالي  ..  واحضر معاي جنازته واخفيها
لقيت في رمالك مقبره لهوالي  ..  ايموتن بها وانعيش وين انجيها


فهو هنا يصوّر نفسه أثناء قدومه للبحر، فزعاً مرتعباً، تاركاً كل شيء وراءه، ويعبر عن ذلك بكلمة ذات دلالة بالغة "جالي"، بهذا السّر الذي أرّقه وأقضّ مضجعه. وفي مصارحة حميمة يعترف للبحر بأنه أقرب اثنين إلى نفسه: هو -أي البحر- والليل، لأنهما يشبهانه "فيك شبهتي والليل في شبيهة". ونحن ندرك ما يمكن أن يجمع الثّلاثة (الغموض والإبهام والأسرار المثيرة) فالشّاعر، بما تنطوي عليه نفسه من غموض ومن أسرار موغلة في الخفاء، يرى نفسه أقرب ما يكون إلى البحر والليل، فهو يدين لهما بالعرفان لصنائع "جمايل" قدّماها له. ونحن سندرك في نهاية القصيدة ما هو الصّنيع الذّي يقدمه البحر له، ولكنه في البداية يتحدث عن صنائع الليل التي لا تحصى "والليل ما عليْ جمايله نحصيها". وهنا يتحدث بطابع فلسفي رمزي، بحيث يشير إلى القصر ذي الأبراج العالية، الذي يمثل حياة الرّفاهية والبذخ، وإلى الخيمة التي بناها راعي الغنم، وما تمثله من حياة التّقشف والبساطة، مشيراً إلى أثر الليل في طمس هاتين الصّورتين بأسلوب فني رائع. إلا أنّ خلاصه لا يكمن في الرّخاء والرّفاهية، كما أنه لا يكون في الزّهد والتّقشف. وهنا تتأكد غربته النّفسية التي تسري في دمائه، وتؤذي مشاعره، فيصرِّح بأن فقدان الإحساس نعمة، لأن الإحساس سبب شقاء للنّفس، ومصدر تعاستها، ويصرِّح بأنه يحمل في داخله طفلاً لم يمت، وهذا الطّفل يطرح أسئلته الفضولية التي تؤرق الشّاعر وتعذبه، وإذا كان هذا الطّفل لديه أسئلة كثيرة ومتنوعة، فإن الشّاعر لديه سؤال واحد فقط؛ هو كيف يثبت له هذه الأسئلة أو ينفيها؟
عمران هنا يتخذ موقفا (لاأدرياً) يذكرنا بأبي العلا المعري. ويواصل مناجاته للبحر هامساً له بأنه على شاطئه أَلِفَ إفراغ ما في جعبته من أسرار، والبوح بمكنونات نفسه، قاتلاً ملله من الحياة الدّنيا الفانية الزّائلة، كما ماتت في أعماق البحر الكثير من الأسرار التي احتواها وطواها عبر العصور. إن الشّاعر يطلب من البحر أن يترك حيزاً لسرِّه بين رمال شواطئه، ويشهد على جنازة هذا السّر وإخفائه. وهنا دليل على إصرار الشّاعر على موت السّر وتصميمه على عدم البوح به أبداً.
 الرّد الثّاني لهذا البيت المجهول القائل:
من جفا جلاّسه .  ولقي في ظلام الموحشات وناسه . الخاطر اضّايق
أيضاً مس هذا البيت وتراً في نفس شاعرنا، فالابتعاد عن حياة النّاس، والاستئناس بالأماكن الخالية الموحشة هو ما تدفع إليه النّفس المثقلة بعذابات الغربة الوجودية والنّفسية. لكن هذا البيت يحتاج إلى تعديل هو الآخر، لينسجم مع توجه "عمران" ورؤيته الفنية، فالمعنى الواضح من البيت السّابق أن الشّاعر وجد في الأماكن النّائية والموحشة ما يأنس به، بعد أن ابتعد عنه أصحابه وخلانه. إن المعنى يكون أقوى لو أن الشّاعر وجد في الأماكن الموحشة ما يأنس به، بالرّغم من وجود أصحابه وجلاسه بالقرب منه، لكنه آثر عليهم ظلام الأماكن الموحشة، وذلك لفرط ما ينوء به من إحساس بالاغتراب نفسياً ووجودياً، فيصبح البيت السّابق بعد التّعديل:
جفا جلاّسه . ولقى في ظلام الموحشات وناسه . العقل وين ضاقت به
وهو هنا يشير إلى سبب هذا الجفاء الذي اعتمده بإيحاء مبهم، مستخدماً كلمة "الضّيم"، وهي كلمة تندرج تحتها الكثير من الهموم والعذابات، وتحمل عدة معاني تدور كلها في فلك العذاب والظّلم:
جفا م الضّيم                         وفات النّديم وصاحبه الحميم
واستانس لوحشة خلو المواهيم      وجْلاله برد بالهول مات احساسه
ثاريت في قلب الجحيم نعيم           اليوم منبسط قابل جميل لياسه.
إن هذا "الضّيم" الذي يعاني منه الشّاعر لم يدفعه إلى "جفاء" أصحابه فقط، بل تعدَّى ذلك إلى هجر صديقه الحميم المتمثل في نديمه وسميره اليومي، ليستعيض عنه بالألفة والأنس اللذين وجدهما في الأماكن المقفرة الخالية "المواهيم"، ويسعد الشّاعر لاكتشافه أنّ ثمة نعيماً في قلب الجحيم، وفي اليأس راحة -كما يقولون- لذلك فهو يشعر بامتنان كبير لليأس، الذّي منَّ عليه أخيراً بالتّخلص من عذابه، الذي أذكته شقوة الإحساس والأمل الذي يلهب جمرة فؤاده. فلا عجب إذاً من أن يعلن الشّاعر هذا العرفان الغريب بالجميل.

هناك تعليقان (2):

Unknown يقول...

رائع اسلمتووووووووو

المغربي المغربي يقول...

رائع اسلمتووووووووو