البيت





البيت هو مسكنٌ البدويّ المقدَّس ، ومأواه ومقرٌّه ، وهو كل شيء عنده ، وهو نوعان :
ـ  بيت ربيع مصنوع من مسادي من الصوف ” المشمط ” أي مخلوط بشعر الماعز مع شيء من وبر الإبل ، وبيت الربيع به اكمام ” رواويح ” ، تشبه النوافذ ، وبه ” ريشات ” وهي زوائد للزينة في بيت الربيع ، وبه ( كحالان  ) والكحال مسدى بطول يمتدّ البيت لا يزيد عرضه علن ثلاثين سنتمر ، أحدهما يمتدَّان طوليًّا بشكل متوازٍ بين الخيَّاطة والملطة.
أما الطريقة فهي شريط يمتدُّ بين المقاديم مرورًا بالكرب ، ولكلِّ بيت طريقتان ، وليس له “حمَّال ” وهو شريطٌ مصنوعٌ من الصوف أو القماش يشبه ( الطريقة ) يحمل البيت ويصل بين الكمِّين مرورًا بالكرب ، ويوجد في بيت الصيف فقط.
ويبنى بيت الربيع في الشتاء والربيع لأنه دافئ ، ويحتمل المطر والريح .
ـ أما بيت الصيف فهو مصنوع من القماش عادة مزركش من الداخل ومكسوٌّ بقماش أبيض ليعكس أشعة الشمس فيكون باردًا لذلك فهو يُبنى في الصيف ، وله طريقتان وحمَّال بعكس بيت الربيع ، وقد يكون به كحال ، وهو مجرِّد قماش أسود اللون للزينة فقط وهناك أحجام للبيوت كبيرة وصغيرة وهناك ” بيت بو عشرين ” لطوله الذي يصل لعشرين ذراعًا ، وبيت ” بو زرد ” بيت كبيرٌ لدرجة يصعب حمله مرةً واحدةً كبقيَّة البيوت ، لذا جعلت له ( زرد ) أزرار تصل نصفيه الشمالي والجنوبي ببعضهما حتى يسهل فكه وحمله على ظهور الجمال. وقد اختفى منذ فترة.
والبيت يدلُّ على صاحبته مثل بيت امرأة تدعى ( القبَّة ) التي قال الشاعر واصفاً بيتها”
يا صاحبي لو ريت بيت القبَّة          اللِّي سمح خايل ما هواته نبَّة
أو ( يزَّة ) التي قال فيها الشاعر عندما وجد ( شليف ) مرميًّا على كوم ” مرش ”
سبحانه اللِّي تمّ اغطاه للقزة           اللِّي قبل خايل فوق نضدة يزَّة
وعمليَّة تقرين البيوت التي نراها اليوم ، شيءٌ جديدٌ لم يكن مألوفاً في السابق ، لأن كثرة الناس ، وكبر المناسبات هو ما دعا إلى ذلك ، ومن أسماء البيوت وصفاتها:
وسيع مداره ، بوريشات ، اسماح اطنابه  ، بو عشرين ، بو زرد ، وسيع  الجال ، مكوحل ، قال الشاعر عنه:
الغاية في بيت مكوحل  وكوت وهل  وميَّة من عيت أم ابهل
والبيت بصفة عامة يتكوَّن من صفحتين أي ” نصفين ” شمالي وجنوبي  ” بحري وقبلي ” حسب وجهة البيوت طبعاً ، وكل صفحة أو نصف يتكون من :
1- خيَّاطة: وهي أعلى منطقة في البيت.
2 – كحال: شريط أسود اللون ، عرضه حوالى ثلاثين سنتميترا تقريبًا ويلي الخياطة.
3 – ملطة: هي الجزء الذي يلي الكحال.
4- بدن: الجزء الذي يقع بين الملطة والرِّجل.
5- رِجْل: هي الجزء الأخير من البيت يتصل بها الرواق بواسطة الخلَّة. والرجل هي الجزء الأخير من البيت حيث الشفة التي تتصل بالرواق وهي التي تشكل المثلث المهم وقت المطر مع الكرب والكم ، وقد ورد في بيت للشاعر حسن لقطع ذكر هذه الأجزاء من البيت حينما قال مخاطباً الشاي الأخضر:
ريتك ثمد يا طاسة    بين الكرب والرِّجل والخمَّاسة .. ما تنزحي “
وفي رواية أخرى ( بين الكرب والكمّ والخمَّاسة ) وقبل بناء البيت هناك عملية ( طق العدالة ) للبيت الجديد ، وهي وضع الكرب والطرايق والحمَّال في مكانها ، وتعمل له ( كرامة ) ، أي احتفال بسيط بعد بنائه مباشرةً ، ولكل بيت أربع أروقة يتصلن ” ينطقن ” بالبيت عن طريق خلَّه ، وقد قدَّرت عددها للبيت الكبير بحوالى 120 خلالاً ، سألتني إحداهن :يومًا ( قول لي على بيتي ) ، أي أنشد شعرًا يتغنى ببيتي ، فقلت لها : قولي لي كم ( خلال ) في بيتك قبل؟ فقالت ” هذي مش خاطره علي ” لأنه لا أحد يفكر في عدد خلة البيت.
ومهمة الخلة هي سدُّ الفواهق ، ومفردها ” فاهق ” وهي الفتحة التي توجد في الرواق عند اتصاله بأعلى البيت بين الخلال والآخر.
وقديماً قالوا ” ما يبردك غير فاهقك ” بمعنى ما تهمُّك غير مشكلتك ، وقال الشاعر حمد بوهليِّل:
العيلة كي خلَّة لبيوت         إن كثرن فاهقهن ينسدّ
ولكل بيت 14 رمَّة ، كل رمة مربوطة بوتد ” موثق ” أو ” مثبت ” وهو الوتد ، وهذا ما جعلهم يقولون ” فلان موثق رمتين ” حينما يتزوَّج بامرأتين ، وقد يربطون رمَّتين بموثق واحد ، وتتصل الرمة ” بزازل ” أو جازل ، متصل بالبيت عن طريق حبلين قصيرين يسمَّى كل منهما ” عميرة ” بمعنى أن لكل بيت 28 عميرة ، ولكل بيت 12 عمودًا ، منها جابران ثابتان في الوسط عن طريق الكرب وهذه المنطقة هي أعلى منطقة أو جزء من البيت حيث تلتقي الخيَّاطتان عند الكرب ، وهذه المنطقة لا يمكن أن يتسرَّب منها القاطر ، ماء المطر ، مما جعلهم يقولون عندما يشعرون بحدوث خلل من شيء غير متوقَّع ( كان جاكم القاطر م الكربة وين تغدوا يا هل البيت ..!؟ ” والمعنى إذ تسرَّب الماء من أعلى حزء من البيت فأين المفر يا أهل البيت .. وقد وظَّف هذا المثل الشاعر عبد السلام بوجلاوي توظيفًا جميلاً حين قال:
غيــــــــــــــر انهــــــــــوّنعلي قلب زاريبه كدر واتكـــــــــــــوَّن
وفيه جرح جاير مطرحه متجـــــــــــوَّنعلي دواه مو قادر طبيب يخاطـــــــــــــر
راقد مريض ومرقده متـــــــــــــــــــروَّنمن بين الكرب نازل عليه  القـــــــاطر
والأبيات مشاركة على مطلع قصيدة للشاعر بشير جبريل الفاخري:
غيــــــــــر خواطـــــــــــــــر
من ضيم جرح كداني وهو يسَّاطــر
مالي غرض في الشعر
وللبيت كمَّان ، واحد من الشرق والآخر من جهة الغرب عن طريق كربتين صغيرتين وأربع خماميس في كل زاوية خماسة تتحرَّك عند اللزوم . وهناك حبال تصل بين الخماميس لشدِّ البيت.
وللبيت أيضًا أربع أعمدة تسمَّى ” مقاديم ” اثنان من الشمال واثنان من الجنوب تتحرَّك عند الحاجة ، وفي الشتاء خوفاً من السقوط يعمل للبيت شيء اسمه ” الرسوة ” وهي عبارة عن وتد ( موثق ) متين يدقَّ بين ( المقاديم) من اتجاه قدوم الريح. ويربط به حبل متينٌ يتصل بزوازل المقاديم ليزيد من ثبات البيت في وجه الريح.
وكذلك ناي لأبعاد مياه المطر خوفاً من الغرق ، أما في الصيف فنخاف عليه من العواصف لذلك يكثرون من وضع الحجر على الأروقة ( لروقة ) وهذا ما يسمَّى ( بالوثوق ) خوفاً من سقوطه أمام الرياح والعواصف والزعازيع ، قال الشاعر المرحوم إبراهيم طاهر بوجلاوي عن بيت المرأة ( الحرَّة ) :
- جينا على دارهم ف] الضحاهلومينها صفاهاحريمك امغير سرد سدِّي اغذاه
و نايه اللي بارمه من احذاهو حيط الوثوقعلي ارمامها يوم ريح الصفوق
وقد كانوا يعتقدون أن العاصفة ” الزعزاعة ” من صنع الشياطين وأن بها جان وكثيراً ما كنا نسمع من البعض قولهم : تكِّي عَ البيت اللي ما يزكِّي.
علماً بأن الزعزاعة ظاهرة طبيعية مثل العجاج والرعد والبرق والندوة والمطر والسراب وكل هذه الظواهر الطبيعية يتعامل معها البدوي بحذر وهو يجهل أسباب وجودها ويعرف نتائجها أو ما يترتب عليها وذلك بالتجربة ونتيجة معلومات جغرافيَّة لديه ولذلك تقوم النسوة بشدّ أرمام البيوت ( تكريبها ) في النهار ، وإرخائها ليلاً وذلك لمعرفتهم بنظرية والتمدُّد والانكماش حتى لا تتقطع ارمام البيوت أو ترتخي فتؤثر على المنظر العام للبيت.
وكل بيت يجب أن يكون له ملحقات وتوابع ، ولكن ليس كل بيت ومنها :
السناح ، والتنوُّر وبونيَّة الدجاج وزريبة للسعي وسدِّي للجديان وعشة للطبخ ( السواه)  ويحتاج البيت إلى حصان ـ إن وجد ـ لأهميته ، وحمار للورد لجلب الماء ، وجمل ” ضمَّام ” خاصة في الحصاد ، والبيت به أثاث ونضد وشلفان ودَيس ( حصران ) ومن مقتنياته:
1 – البتيَّه ( وعاء معدني يسع 200 لترا) والسقه ( إناء معدني سعة 30 لترا تقريبا ، والبرميل والمطارة والقربة والقدح أو الصونية ” وهذه للماء كلها ”
2 – وعدالة للشاهي براد وطاسات وكانون ومطاره وخرج أو مخلاة.
3 – وللسواه : الطهي ، قدر ، حلة ، برمة ، بقوشه وتصنع من الطفلة ، قصعة ، مغرف ، مسواط وهو عود لتحريك الطعام  ، ضرَّابة وهي قطعة خشب مستديرة تستعمل لطرح قطع العجين التي ينصع منها العيش ( المقطع ) ويسمَّى ( عي ضرائب ) ورقعة تصنع من جلد الضان التي توضع تحت الرحى وسكين، والمهراس والبمبا
4 – وللحليب واللبن شكوة ، اركاس وهو حبل يصنع من الصوف ، وقدح وقفة ومروَبة إناء لترويب الحليب.
5 – ولصناعة الخبز تنوُّر ، رحاة ، رقعة ، شكوة للبن والحليب.
وهناك طريقة لصناعة نوع من التنانير وهو عبارة عن حفرة في الأرض عمقها نصف متر تقريبًا تطلى حوافها الداخليَّة بتراب خاص يسمَّى (تراب اللفعة ) وهو أحمر اللون ، بعد عجنه بطريقة خاصَّة ليكتسب نعومةً وملاسًة ، ثم يستعمل لإعداد الخبز الشعبي ( خبزة التنوُّر) .
6 – وللتخزين عكَّة للسمن والشحم وعندما تستقدم تسمَّى مشحمة، أي خاصة بالشحم.
7 – الصيلخ للزبدة ، والغرارة والزغبيَّه للتمر والحبوب .
8 – شبكة – معلف للحصاد.
ومهما كان عدد الأسرة فإن البيت يتسع لها ولذلك قالوا ” إن طابت النية ، البيت يسع ميَّة ” ويحتاج البيت لصيانة شأنه شأن الحوش الذي ما كانوا يعرفونه ، بل كانوا يقولون عنه : ”شلِّيلك لا ينشال ولا ينكال وعند هله غلا مِ المال ”
وصيانة البيت تتمثل في ترقيع الرقاقيع أو طق لمشال ( الثقوب ) وإعادة خلال لمكانه أو تجديد رمة انقطعت إلى أخرى ، والبيت وصاحبه يعرف من خلال ( كوم العوين ) ، الرماد ، قديماً قالوا : لي صديق كثير الرماد. أي كريم كما تقول العرب.
عامر عبد العزيز شيت

ليست هناك تعليقات: