الشاعر الشعبي عمر بوعوينة الدبوسي .. ( للكاتب حسين نصيب المالكي )


الشاعر الشعبي الكبير
الراحل عمر بوعوينة الدبوسي
حسين نصيب المالكي  
 
لا يقل شاعرنا هذا أهمية عن غيره من شعراء جيله من أمثال الشاعر الطالب دخيل الشهيبي والشاعر الفقيه رجب بوحويش والشاعر هاشم بوالخطابية والشاعر موسي الراوي والشاعر رواق بود رمان وغيرهم.
ولد شاعرنا الشعبي عمر محمد آدم بوعوينة بسقيفة الهناد، جنوب شرق منطقة بئر الأشهب سنة 1856م، وأمه هي هنية من قبيلة المنفة، وقد لقب بابي عوينة لصغر في حجم إحدى عينيه.
نشأ شاعرنا في أحضان البادية التي كانت تتصف دائما بعدم الاستقرار والترحال الدائم، بحثاً عن مواطن الكلأ وموارد المياه، والاعتماد على حرفة الرعي والزراعة الموسمية في فصل سقوط الأمطار. تعلم شاعرنا أهمية الدروس التي تتطلبها حياة البادية من الثقافة الدينية وركوب الخيل والفروسية وتربية الإبل ومعرفة انساب قبائل العرب و قول الشعر الشعبي وحفظه وروايته.
وقد حفظ شاعرنا القرآن الكريم في معهد الجغبوب الديني، حيث درس شيخ المجاهدين عمر المختار في ذلك المعهد، وقد قال الشعر الشعبي منذ صغره، وتطرق في شعره إلى وصف الإبل، وأبدع في ذلك العديد من القصائد، وله قصيدة وطنية  بعنوان سبحانه اللي وطنا تم خالي، عن حشر ايطاليا الغازية للأهالي في معتقلات العقيلة والبريقة يقول في مطلعها: 

سبحانه اللي وطنا تم خالي / ما فيه والي / الدايم الله يا مناة المتالي
سبحانه اللي تم خالي خرابه / مناة الرغابه / بعد مال ميال سايب شرابه
في عالي الموج شيلوا أصحابه / وفاتوا الغالي / يا ريتهم كيفنا جو جوالي


في الأبيات السابقة يكرر الشاعر عمر بوعوينه كلمة سبحانه في قصيدته للدهشة والاستغراب، والتي تتكرر أكثر من اثنتي عشرة مرة، ويتطرق إلى ترحيل النجوع والزج بهم في معتقل العقيلة، بعد أن كانت النجوع تعيش في حياة سعيدة في سقايف البطنان ودفنة، أجبرهم الطليان على ركوب السفن عنوة. وكان الشاعر يتمنى إنقاذ حياتهم، ويقول لو أنهم هاجروا مثله ومثل غيره من العائلات إلى مصر، لكان ذلك أفضل لهم من معتقلات الإبادة الجماعية في العقيلة والبريقة، ثم يستمر الشاعر في قصيدته يصف لنا كيف تم ترحيل الأهالي وإجبارهم على ركوب السفن الغريبة، ومعاناة دوار البحر والأمواج العاتية إلى معتقل العقيلة في تلك الصحراء القاحلة والرمال الكثيفة حيث يقول:  

سبحانه اللي سفروا في البحور / نواجع حضور / راحن طشاشات بين البرور
خيوب ع الدهر خاين غرور / وما من ليالي / هنيات راعوا علي بوالعلالي
سبحانه اللي سفروا في البروه / خلي نين بوّى / مرباهم اصحاب العنا والمروّه
من عند لطراف لعند حوه / كانن نزالي / فيهن عشا رايجات النعالي
سبحانه اللي تم خالي وسايب / مربى الحبايب / بعد عزهم فيه راحوا ذهايب
غربهم تسفي عْراض الجنايب / ان زام القلالي / تشالى مشالاة كنها قْبالي
سبحانه اللي قبل مو للتعدي / للغرب ودي / علي قول من قال حاله تْكدّي
ما نخست عندهم من مْجدي / مْوكر وفالي / وما ونست دير قوره عوالي

في الأبيات السابقة يتأسف الشاعر على ترحيل الأهالي من قبل العدو الايطالي، وإجبارهم على ترك نجوعهم وتلك السقايف في بوالعلالي وطراف، وترك إبلهم، وكيف تغيرت الحياة وانقلبت من الحياة السعيدة الهانئة إلى الفقر المدقع والقهر والتعذيب من قبل الطليان:
سبحانه اللـي سفروا م السقايف / اسياد العطايف / الدايـم الله يا ذرا كل خايـف
سيقوا مكاتيف سـوق الوصايف / بْعسكر ايطالي / ما دافعـوا دون نقـر الشمـالي
سبحانه اللي سفـروا م الشلاق / وصح الفراق / وواجد اللي راه غارق غـراق
ويا هل ترى ويش حالة رواق؟ / ركاب الجبالي / القاسي بـلا كذب يوم القتـالي
سبحانه اللي مـن مرابيه ثـور/ خيره مْجـوّر / لا تنـجـرب ناقتـه  لا تخـور
ان جـت راده في ولـدها تْدَوّر / بزقـره  توالي / تلقاه منسطح كيف جدي الغزالي
سبحانـه اللـي سفروا للغروب / اسياد الكسوب / اللي ثديها كيف نزل الشبـوب
ظهيره لهلها سنيـن الكـروب / الواسـع الخالي / تجي رغوته زايده ع الجـوالي 
    
في هذه الأبيات يصف الشاعر الحالة التي أجبر عليها الأهالي: الترحيل الإجباري إلى معتقل العقيلة، وهم مكتوفو الأيدي بالأغلال، ويسوقهم أمامه العدو الإيطالي في قسوة ووحشية، تاركين إبلهم، مفارقين نجوعهم في حالة كئيبة سيئة يرثى لها. ويتساءل الشاعر عن حالة الشاعر رواق بود رمان وما هي أخباره؟ ويصفه بالشجاعة والإقدام وركوب صهوات الجياد، وما كان يملكه من قطعان الإبل وإكرام الضيف وحسن استقباله، ويتأسف الشاعر كثيرا لضياع تلك الإبل ودورها في حياة البادية من الانتقال على ظهورها من مكان لآخر، وكيف كانت سندا للأهالي في سنوات الحروب، يرتوون من حليبها، ويحملون عليها متاعهم، وتنقلهم إلى مسافات بعيدة.  
سبحانه اللي سفروا في السفاين    أسياد المهاين    في وطنهـم ما لهم نشـر باين
مطراهم يجيب الكدا والغبايـن    ولا لهم الوالي    وزالن ايـام الهنا والـدلالـي
سبحانه اللـي سفـروا للعقيلة    اسياد الخويلة    وفاتوا خصابه وقرعا ارميلـة
يا ما جلـت غيـرهم من قبيله    وفاتت علالي    الواثق بالأيام  كله ضـلالـي
سبحانه اللي نورهم تم طافـي    بعد شان وافي    وفاتوا سراويل هو والحقافـي
في وطنهم عيصوا ع الصفافي    جا سيل  عالي    ما قهقـره نـاي لزن لجـالي
وقد تزوج شاعرنا عمر بوعوينة من امرأة منفية، تسمى قادرة، أنجبت له العديد من الأبناء هم: عبد الكريم وحسن وأنور، حيث نجد أن للشاعر قصيدة يخاطب فيها زوجته قادرة عندما ذهب إلى السوق، ولم يستطع أن يشتري لعائلته ما تحتاجه من مأكل، نتيجة الفقر المدقع والإفلاس، فخاطبها متذكراً صديقه احوية الذي كان لا يبخل عليه بما في جيبه من نقود، وكانت تربطه به علاقة وطيدة وسافر بعيدا عنه:  
يا قادره مو هنا سيد غريبة      اللي كي تحتاجوا لشي يجيبه
اليوم تموّح                     وينشرح بالي كان قالوا روح
السكر يجيكم والطعام مفوّح     واللي في بيوته ما عليه صعيبة

وللشاعر عمر بوعوينه قصيدة في رثاء شيخ الشهداء عمر المختار يقول مطلعها:

طْفي نور ضاوي ع العباد جلاله        كريم ربنا يرزق بنور بداله
نور  تغير                              بعد صيت وافي في حياته طير
كم يوم عابس دون خيله  دير           خرابين ع الدنيا وهي ميّالة

في الأبيات السابقة يشبه الشاعر شيخ المجاهدين عمر المختار بالنور الذي كان يشع وينير الحياة ثم انطفأ، ذلك البطل الذي خاض الكثير من معارك الجهاد ضد الغزو الإيطالي حتى تم أسره وإعدامه في سلوق 16/9/1931م. ثم يتطرق في بقية الأبيات إلى شجاعته وبطولته ورفضه التسليم أو الخضوع والخنوع للعدو الإيطالي، لما يمتلكه من إيمان قوي وعزيمة صلبة، حتى نجد أن سيرته قد وصلت أقصى بلاد الهند والسند.

نـور وصيفه                    سيد فاطمـة ما حد كيفـه
نفسه علي طول الزمان عفيفة    مال النصارى ما رضي لوكاله
نور نعتزوا به                    صيته مع لوطان ماشي جوبه
جاوه وناس الهند يفتخروا به      وبر الجزائر  كاسبين علاله

كما شارك الشاعر في ملحمة أحوال حايله، وكان أقدر الشعراء وأكثرهم إجادة في أبياته التي يقول فيها :

أحوال حايله بين المنام وطيبه           أحـوال جبدهن للنـاس فيه الغيبة
أحوال من شبكهن                       أمغير اطلبه ساهل من عليه فككهن
ان كان هن ذنوب برحمته يتركهن       وان كان رزق مو واعر عليه يجيبه
وان كان من جناب الحكم بابك سكن     حب الرياسة ع العباد مصيبة
ليام ديما يا فتى ينعكن                   زال حكم لستانه وهان سريبه
تدلك النفس مع مسارب تكن             تحسبهن سماح وهن ظلام وريبة
ما في الكتب رينا احوال يبكن           مفيت ما صهيد النار وتلهليبه
اذكر كريم الجود لا تتلكن               واترك غرار الدهر لا تدوي به
وبدر بتوبة قبل ما ينصكن              أبواب الفرج للي يتوب قريبة 

وللشاعر العديد من القصائد في الإبل وفي الحكمة وتجارب الحياة  نتطرق إليها في دراسة أخرى.
رحم الله شاعرنا الشعبي الكبير الذي توفي عن عمر يناهز الثمانين عاما حيث توفي سنة 1936م بمنطقة بئر الاشهب، ودفن بها.  

ليست هناك تعليقات: