شــرمــولــة .. للكاتب الليبي محمد الاصفر ( الحلقة الثانية )


الحلقة الثانية

العاشرة مساء .. رذاذ مطر خفيف .. دخلت المنتدى .. مكتظ كالعادة .. العادة واسعة .. الاتساع متكرر .. التكرار رتيب .. التلفازان يعرضان كرة القدم .. طاولة قريبة من الباب يجلس إليها الصديق عمران لامين .. يشاركه الجلسة صديقاه الرياضي احمد المديني والفنان المسرحي سعد المغربي .. جلستُ معهم .. صافحتهم .. سعد يحكي عن مهرجان المسرح المغاربي المزمع إقامته في الفترة القادمة .. سعد قلق .. خائف أن يفترس المهرجان التأجيل .
غادر سعد .. بقينا نتفرج على مباراة برشلونة وريال مدريد .. لاعب برشلونة رونالدينهو يمتعنا بينما لاعب ريال مدريد رونالدو يغرقنا في البهيج .
عمران لامين رياضي قديم .. وصديق للفنان الشعبي عبد الجليل عبد القادر .. عاشا معاً مذ كانا صغاراً .. لعبا معاً في فريق الحرية .. في العشية يلعبان الكرة .. في الليل يسهران في مقهى الفزاني صحبة الأصدقاء .. مقهى الفزاني الآن بقال مواد غذائية يقابل سور مستشفى الجمهورية جهة الفندق البلدي .


بعد كل مباراة تنتظم في المقهى جلسات حميمة .. يحتدم النقاش حول مجريات اللعب .. الأصدقاء من كل الشرائح يعرضون أرائهم .. أغلبية المشاركين فنانون .. لاعبون .. عازفون .. مؤلفون .. عبد الجليل عبدالقادر .. الشيخ الفيتوري .. علي العماري .. عبدالله مجيحيد .. محمد العرق .. بوشعالة .. الشاوش .. احمد عبدالحفيظ .. خليفة العرج .. وغيرهم .. أحياناً ياتي إلى المقهى صاحب عرس لدعوة عبد الجليل عبدالقادر .. يرفض عبد الجليل إحياء العرس والذهاب معه .. يقول له مشيراً بإصبعه : رفاقتي ..؟
يقول له صاحب العرس : مرحبتين بيهم معاك ..
يقول عبد الجليل : لا توجد سيارة .؟
يؤجر صاحب العرس سيارتين أو ثلاثة يستقلونها جميعاً مبتهجين .
كانوا شباباً طيبين .. احتياجاتهم بسيطة .. في النهار يعملون في الجيش والميناء والإسكان والبلدية وغيرها .. في العشية يلعبون كرة القدم في ملعب المحيشي .. وفي الليل يغنون المرسكاوي في الأعراس أو على شاطئ المنقار أو عين زيّانة .
عبد الجليل يسكن في شارع كويري .. أحد شوارع بنغازي العتيقة المتفرعة عن سوق الجريد .. أحياناً يختلف إلى حي الرويسات .. يقضي أياماً جميلة عند أمّه الحنون .. ثم يعود مجدداً إلى بيت أبيه وزوجته المصرية الطيبة .
معظم أوقاته يقضيها صحبة أصدقائه في فريق الحرية .. يتنقلون من حي إلى حي .. ومن ملعب إلى ملعب .. لا يفترقون إلا آواخر الليل.
عبد الجليل يحب كل الناس .. وكل الناس تحب عبد الجليل .. كل من يخالطه يحبه .. إنسان متواضع .. عطوف .. حسّاس .. حنون .. طيب .. سريع الغضب .. سريع الرضا والصفح .. قلبه أبيض .. لا يُبقي فيه أي ذرة حقد .. الغضب والخصام والعصبية حالات مؤقتة .. تزول سريعاً كضباب .. التسامح شريعته .. الحب مبدأه الأصيل .. سريعاً ما يبتسم وينسى السيئات ..
عبد الجليل إنسان .. صاحب موقف ومروءة .. صاحب طرفة وقفشات .. كريم .. بل سخي جداً .. ما قفل بابه في وجه أحد .. ما رد أحداً خائباً أبداً .. حتى إن كان جيبه فارغاً اقترض للسائل .. مربوعته لا تفرغ من الضيوف .. دائماً يقول : اللي يعطي ربي يعطيه .. هو يعطي كل شيء .. الحب .. الصداقة .. المال .. الدم .. الطعام .. السجائر .. السيارة .
في السبعينيات لعب كرة القدم .. ترأس فريق الحرية .. الكابتن عبد الجليل .. المطرب عبد الجليل .. كان يلعب بعصبية .. بقوة .. يلعب بجدية مفرطة .. اشتراكه في المباراة يستقطب جمهوراً غفيراً .. يأتي من كل أحياء بنغازي وضواحيها .. هو مدرب الفريق أيضاً .. أحياناً لا يشترك في المباراة ويدفع عوضاً عنه بوجه جديد موهوب إلى عالم الكرة الساحر.
كانت مباراة الحرية والتعاون هي مباراة الموسم .. الديربي الكبير .. فريق التعاون قوي جداً .. يضم نخبة من أمهر اللاعبين لكن فريق الحرية هو الأقوى .. هو فريق النجوم .. لم تنس ملاعب المحيشي أصحاب اللمسات السحرية ومبدعي الكرة السهلة المنفتحة .. لم تنس زمرة اللاعبين المهرة الذين يستنطقون الكرة ويجعلونها تغني .. أقدامهم تعزف الألحان على أوتار العشب اليانعة والكرة بينهم راقصة ملساء مجنونة .. الملعب غير مسيج .. المتفرجون جالسون على أحجار تبعد متراً من خط التماس .. منهم من أجلس ابنه على رقبته .. رجلاه متدليتان تدقان بكعبيهما الصغيرين على صدره .. الطفل يطوق رقبة أبيه بذراعيه ويصيح : جليل .. جليل
.. ابد جليل .. ببّة يا بابا جليل.
كانت الكرة آنذاك بين قدمي عبد الجليل ومدافع عنيف أوقع به أرضاً .
الجماهير تصرخ لكل لمسة حلوة .. لا تسمع أي كلام بذئ أو سباب للجلالة .. لا تسمع سوى الكلمات العفيفة المشجعة .. عندما يُضيع المهاجم فرصة هدف : معلش .. ياما راح .. يأخذ سؤّك .
وعندما ينقذ حارس المرمى عرينه من تسديدة محكمة في الزاوية : عظيم .. أحسن يا رشيق .. يا فدائي .. وعندما يستقبل لاعب الوسط الكرة بصدره أو يمررها بالكعب : أيوا يا لاعيب .. يا فنان .. يا حشاني.. يا بليه ..
في الملعب الكرة تغني .. التمريرات جمل موسيقية .. مراوغة المهاجمين دق طبل على جلود الطين .. هدف الرأس شكشكة بندير مبهجة .. واهتزاز الشباك سكر الأناشيد .. أما الفرص المهدرة فهي قمامة .. قمامة كروية وأجنّة مجهضة راحلة بآهات الحسرة .

لكل فريق أناشيده وأغانيه .. في الانتصار غناء مفرح .. في الخسارة غناء حزين .. وعقب نهاية المباراة يتعانق الجميع كأسرة واحدة في يوم عيد ..
يتحممون .. يتعطرون .. يجلسون في مقهى الفزاني جهة الفندق البلدي .. يحتسون الشاي ويتجرعون عصير البرتقال المنعش .. ويتحاورون مستعرضين ما قدّموا من إبداع أثناء المباراة .. تسمع وجهات النظر والتعليقات والتعقيبات ونقاط النظام التلقائية .. تسمع أيضاً أطروحات فنية للمدربين .. لقاء في مقهى لكنه ندوة رياضية متكاملة .. حوار واع موضوعي .. وفي نهاية الجلسة يغادر كل فرد إلى مبتغاه .. راضى النفس .. مفعم الروح بالمرح والحياة .. 

ليست هناك تعليقات: