الشهيد يوسف بورحيل المسماري


من اعلام الجهاد الليبي - الشهيد يوسف بورحيل المسماري

بقلم صلاح الدين ابوسيف الجبو في 2009/3/27

بعد إعدام شيخ الشهداء عمر المختار والذي يعتبر خسارة فادحة علي الحركة الجهاد الليبي وذلك بان الفراغ سيكون مهولا لأنه لا يوجد من يملا فراغ قائد بحجم عمر المختار، وفعلا حينما غاب عمر المختار شكل العامل السيكولوجي أثره السلبي علي المجاهدين ألي جانب الوضع العسكري علي الأرض حيث قطعت الإمدادات علي حركة الجهاد وتأثرت حركة الجهاد بانهيار الأدواء العسكرية والتي اعتمدت علي تموين القبائل بالسلاح والغذاء وشكلت المعتقلات الجماعية ضربة قاسمة ومؤثرة لسير العمليات العسكرية بتواجد الأهالي في تلك المعتقلات ناهيك عن سقوط الجغبوب والتحكم في منافذها وانتشار الحراسات الايطالية علي الحدود مع مصر.

لهذا جاء يوسف بورحيل في وقت صعب جدا لقيادة حركة الجهاد وبالتالي شكلت ضده المعطيات التي علي الأرض واقع سلبي شاركت في ضعف حركة الجهاد بشكل عام.
ولد يوسف بورحيل المسماري عام1866م، تقريبا بمنطقة مدور الزيتون بالقرب من قرية تاكنس شرق مدينة المرج وهو من بيت حسن من عائلة خضرة من قبيلة المسامير المعروفة بالجبل الأخضر وهي من قبائل المرابطين وأمه فاطمة الكريه من قبيلة القطعان.
عرف يوسف بورحيل بلقب بوخديدة لأنه سقط في النار وهو طفل صغير ولهذا تأثير خده الأيمن وجفن عينه أيضا وبقي اثر هذا الحرق واضحا علي وجهه حتى استشهاده.
كان متوسط الطول يميل إلى النحافة ابيض البشرة وأيضا وكان يمتلك أناقة يهتم كثيرا وقد برزت من خلال مظهره الأنيق شخصية مميزة بين رجال عمر المختار وكان منضبطا في حياته عسكريا وأخلاقيا وكان فقيها في أصول الدين كما انه امن من الطراز الأول يمتلك موهبة عالية في الحديث واللباقة ولذالك وصفه الشيخ عبد السلام الكزه آنذاك بأنه عقل حركة الجهاد.

تلقي بورحيل تعليمه علي أيدي فقهاء النجع من أهله ثم أرسله والده ألي الجغبوب ودرس بها حتى تخرج من هناك، وقد درس بورحيل في زاوية الجغبوب علوم الفقه والدين والتفسير والعديد من العلوم الاخري وفي هذه الزاوية تعرف بورحيل علي عمر المختار وكان يكبره بسنوات وأصبحت هناك علاقة قوية بين الرجلين.
بعد تلقي بورحيل دروس علوم القران أصبح معلما في زاوية القصور حيث كان عمر المختار شيخا لها وكثيرا ما كان بورحيل ينوب عن عمر المختار في الإشراف علي تعليم الصغار وتسهيل الأمور للمعلمين وللطلبة بزاوية القصور لان عمر المختار كان كثير الترحال، وبما إنهما كانا رفيقا دراسة قبل ذلك فالصلة بينهما كانت صلة وثيقة وقديمة، وعندما تشكلت الأدوار للمرة الثانية بعد عام 1923م، بقيادة عمر المختار نشبت عدة معارك بطولية اظهر فيها بورحيل براعة في تدبير الخطط الحربية واستغلال أفضل الفرص لضرب الأعداء ضربا موجعا بأقل الخسائر مما زاد صلته بعمر المختار فأصبح وجوده بالدور ضرورة لإستراتيجية إدارة المعارك وتمديد مواعيد ومواقع الهجوم وكانت له نظرة صائبة وفكرة صحيحة وعبقرية عسكرية تدير المعركة ولإلحاق اكبر الخسائر بالخصم مع النجاة من أي ضرر قدر الإمكان.
كان بورحيل يقود احد الأدوار العسكرية في حركة الجهاد وهو دور البراغيث وقد شارك بورحيل في اغلب المعارك التي قادها عمر المختار وكان بورحيل الذراع لعمر المختار وشريكه في خطط الحرب ورجل أمنه في المفاوضات وعقله الراجع في منازعات القبائل حيث قال عنه شيخ الشهداء (لا يوجد عمر المختار بلا يوسف بورحيل)، لذالك عندما استشهد الفضيل بو عمر تولي بورحيل كتابة مراسلات عمر المختار بل اعتمد عليه في جميع الأمور حتى أن غراسياني أطلق عليه (قائما بإعمال القائد) ولهذا صار احد شروط سلامة الدور وجود بورحيل فيه واصدق دليل علي ذلك انه قاد اكبر معارك عام1923م، وهي معركة جردس والتي هزم فيها الغزاة الطليان وكانت الغنائم فيها كبيرة للمجاهدين.
ظل بورحيل يخطط ويهاجم الغزاة تحت أمرت عمر المختار حتى استشهد عمر المختار في عام 1931م، لذلك اجمع اغلب قادة الأدوار والمجاهدين علي اختياره قائدا للجهاد، وكلف المجاهد احمد الشريف بورحيل لقيادة حركة الجهاد،وكلف المجاهد احمد الشريف بورحيل لقيادة حركة الجهاد رسميا، وقال في رسالته بان(هذا التعيين ليس منا لكنه بناء علي توجيهات عمر المختار في وصيته عن الجهاد)، وهذا يدل علي مدي ثقة عمر المختار باستمرار حركة المقاومة تحت قيادة بورحيل بعد غياب عمر المختار عن ساحة الإحداث، كما أرسل احمد الشريف رسالة شخصية ألي بورحيل وأوصاه فيها بتقوى الله في السر والعلن والصبر والجد والإخلاص في العمل لله ورسوله والوطن والمسلمين والاستمرار في الجهاد علي نهج عمر المختار.
استلم بورحيل حركة الجهاد قائدا جديدا يتحمل أصعب مسؤولية عرفها في حياته ولم يتأخر بل انتهج خط رفيقه وقائده في المقاومة الوطنية ولكن الواقع علي الأرض أصبح شيئا أخر كما سبق ذكره وتغيرت طبيعية المعركة فقد وجد الغزاة حليفا عاتيا لهم وهو الجوع الذي كان موتا يهدد المجاهدين وكذلك انتشار الإمراض والفقر بكثرة لذلك تري الرجال تتأرجح من شدة الجوع والمرض وذلك حسب روايات المجاهدين.
لقد مرت أربعة أشهر مريرة وطويلة علي استشهاد عمر المختار واستلام بورحيل لقيادة المجاهدين ولم يتوقف خلالها القتال يوما واحدا بالرغم من الحصار ونقص الامدادت الغذائية والحربية التي كانت تمر عبر الحدود التي أغلقها الغزاة الطليان أما بالأسلاك الشائكة او الحراسة المشددة، كما أن المعتقلات الجماعية التي أقامها الغزاة أحكمت القبض علي الأهالي التي كانت تمد المجاهدين بالتموين والمعلومات عن تحركات وأماكن العدو.
شعر بورحيل بهذا الواقع الصعب وانه استلم مهام صعبة جدا في ظروف غير ملائمة ورأي بعينه رجاله بلا سلاح ولا ذخيرة ولا طعام ومنهم من أصبح غير قادر علي حمل السلاح من شدة الإنهاك الجسمي، لذلك أدرك بورحيل في ظل هذه الظروف بان نهاية الجهاد قد دنت وأصبحت واضحة وأن شرف الخروج من هذه المحنة أصبح شيئا حتميا لكنه خروج دون تنازلات ولا خنوع ولو كان الثمن الموت، لهذا عقد بورحيل اجتماعا بالمجاهدين وقادة الأدوار العسكرية وقال لهم ((لقد هاجر أحباب من قبل وهم موزعون علي السودان ومصر ومناطق أخري وقد قمنا بما يحتمه الواجب المقدس وواجب الوطن العزيز ولم يسبق اليوم جهد للنضال وايطاليا تطالبنا بالاستسلام وإلقاء سلاحنا وهذا معناه العار والذل)) وفي نفس الاجتماع طالبهم بإعداد خطة وحكمة لمهاجمة الأسلاك الشائكة علي الحدود المصرية وخروج نحو منطقة السلوم ومنها ألي مصر حتى يصبح هناك تجمع خارج الوطن لحركة الجهاد في ظل ظروف أحسن من التواجد في الداخل حتى لا يتم القضاء نهائيا علي الحركة الجهاد، وكانت الخطة تقتضي بتقسيم المجاهدين إلى أربعة مجموعات وكانت اكبر مجموعة قادها المجاهد عبد الحميد العبار والمجاهد ادم المنصوري وبلغ عددها حوالي 74 مجاهدا حيث تمكنت هذه المجموعة من عبور الأسلاك والحراسة الايطالية المشددة واتجهت إلى منطقة السلوم، أم المجموعة التي قادها بورحيل فقد اصطدمت بدورية ايطالية كبيرة بقيادة الملازم الايطالي برنديسي مما اضطر بهم للعودة داخل الحدود وقد قامت معركة علي الحدود بين الطرفين في 19 ديسمبر 1931م، قرب زاوية أم ركبة- ولكن تقع شرق مدينة طبرق بمسافة 125كم- ولكن الدورية الايطالية إحاطة بالمجموعة المكونة من يوسف بورحيل وثلاثة من رفاقه فاضطروا إلى ترك خيولهم تحصنوا بأحدي المغارات وصمدوا وقاتلوا حتى استشهدوا جميعا، وكان البلاغ الايطالي الصادر في أول فبراير من عام 1932م، بأنه ((عندما انتهي إطلاق النار مع مجموعة من الثوار حاولت اقتحام الحدود المصرية تقدم نحوهم الملازم برنديسي فوجد أربع جثث لم تزل بنادقهم حامية في قبضة أيديهم وكان احدهم يوسف بورحيل وقد اظهر مع رفاقه الثلاثة بسالة حتى أخر دقيقة في حياتهم)).
وبهذا استشهد يوسف بورحيل المسماري داخل حدود وطنه وكان حلمه قد تحقق عندما قال لأصحابه وهم متجهون نحو الحدود المصرية (أما انتم يا إخواني فشباب،لكم في مصر اسر، ولكم في العمر براح، أما إنا فقد جاوزت الخامسة والستين ولا أري أن هناك مدفنا يليق بي خارج هذا الوطن وفي غير هذا الميدان)).
ولم يكتفي الغزاة الطليان علي عادتهم بقتل يوسف بورحيل ورفاقه الثلاثة بل تم التمثيل بجثثهم آنذاك وقطع رأس يوسف بورحيل بالقرب من زاوية أم ركبة ونقل رأسه في علبة صفيح إلى البردي للتعرف عليه ثم نقل رأسه إلي المعتقل بنينة لعرضه علي الأهالي المحتجزين داخل المعتقل وذلك للحط من معنوياتهم وإجبارهم علي الاستسلام التام للغزاة الطليان.
كان يوسف بورحيل مثله مثل قائده عمر المختار فلم تلمس أيديهم الطاهرة أي مبالغ نقدية من الغزاة للتفريط في شبر واحد من وطنهم وفضلوا الاستشهاد دون أن تمس أيديهم أيدي الغزاة والعملاء الذين تلطخت أيديهم بدماء الأهالي.
وكانت هذه نهاية الرجال الإبطال الذين دخلوا التاريخ الليبي من أوسع أبوابه وقدموا الدم والفداء من اجل وطنهم وسيظل هذا البطل بورحيل احد العلامات المشرفة في حركة جهادنا وسنظل تحترم تاريخ واستشهاد كل رجال هذا الوطن.
المصادر:-
1- أعلام ليبيا الطاهر أممد الزاوي ، ط2،1971م،الفرجاني، طرابلس
2- موسوعة روايات الجهاد، الجزء الأول+الجزء الثاني،يوسف سالم البرغثي 1990- مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي طرابلس.
3- يوسف بورحيل المسماري الدور والمهمة: كتيب صادر عن رابطة المجاهدين درنة.
4- شئ عن بعض رجال عمر المختار، محمد عبد السلام الشلماني، مطابع الثورة للطباعة والنشر، بنغازي.

ليست هناك تعليقات: