في النفسِ شيءٌ من حتى .. قصة قصيرة .( رامز رمضان النويصري )


في النفسِ شيءٌ من حتى



يتوقف. أصعد.
نسيت أن آخذ صحيفة المترو لهذا اليوم، فقد دخلت المحطة راكضاً ولم أتوقف، وحده المترو الذي لا يتأخر عن مواعيده، إلا فيما ندر، والـ07:04 صباحاً تأخذني للمطار، ولا أريد اللحاق في المترو التالي لأن الازدحام يكون شديداً، وأكون مضطراً للوقوف طيلة الرحلة.

هذه عادتي كل صباح، الكل من حوي غارق. سنة مرّت، عرفتُ فيها الكثير من الوجوه، وصادقت الكثير منها. أعرفُ مثلاً أن السيدة الممتلئة، التي تجلس إلى ذات الكرسي في الركن –يومياً-، وتشغل نفسها بالقراءة، لا ترفع رأسها عن الكتاب إلا قبل وصولها إلى محطة (الكنجستون بارك). أما السيدة ذات الشعر الداكن، القصير، التي تعلق بصرها إلى النافذة، تنـزل إلى محطة (الريجن سنتر)، الغريب مع هذه السيدة، أنه كلما صعد مفتشو المترو، وتفحصوا بطاقة صعودها وجدوها منتهية، وهي دائماً تقول:
- لا أعرف، لكني أخذتها صباح اليوم.




يدقق المفتش في البطاقة، وعند الوصول للمحطة يهمس في أذنها، ويترجلا خارج العربة.

ولأني هذا الصباحُ وصلتُ متأخراً، بعد أن تحرك المترو بضع محطات، وفرغت القاطرة، انتقلت للجلوس إلى كرسي يجعلني في اتجاه حركة المترو، وجلست هي أمامي.
إنها محطة الـ(جُسفورد)، وعادة ما يكون ركابها قلائل، وصعدت صحبة حقيبتها الكبيرة لتجلس إلى الكرسي، وتحتل هي الكرسي قبالتها. وحالما تحرك القطار مالت إلى حقيـبتها وأخرجت كيساً وردي اللون التقطت عيني منها كلمة (Body).

انشغلتُ بمتابعة الأضواء عبر لوح الزجاج، لكن خرخشة الكيس البلاستكي أعادتني إلى الكرسي أمامي. كانت ترفع مرآة دائرية إلى مستوى وجهها، أدارتها يميناً وشمالاً، قصدي شمالاً ويميناً فهي إنجليزية، لتضع المرآة جانبها، وتخرخش الكيس وتخرج علبة سوداء وأنبوب كريم أزرق اللون، بدأت بأن وضعت بعضاً منه على راحة يديها وفركتهما قليلاً، ثم رفعتهما إلى وجهها، ودارت بهما على كامل الوجه مسحاً وترتيباً عند الحواف. يبدو إنها لمحتني في المرأة، فقد بدت منها ابتسامةٌ على صفحتها العاكسة. وما يهم، فالمترو للجميع.

فتحتِ العلبةَ السوداء، فخلتها علبة ألوان مائية في المربعات الملونة والفرشاة الرقيقة في المنتصف، مزجت بها بين لونين، ووضعت العلبة لأسفل ورفعت المرآة، وراحت تحركها على وجهها، وتروح بينهُ وبين العلبة السوداء. ليخرخشِ الكيس من جديد، وترفعُ يدها بمشطٍ كبير، وتبدأ في مشط شعرها وتهذيبه، وتسليك أطرافه.
يخرخش الكيس، هذه المرة المشط أصغر، أسطواني، رفعته إلى غرتها وبدأت تعدل من توزيع الشعر على جبهتها. ومن بعد أرجحت رأسها يميـناً وشمـالاً -أقصد شمالاً ويميناً-. هي الآن ترفع المرآة وتتأمل وجهها -أو هكذا أتصور- وتديره، تهذب طرف عينها بخنصرها، لتقرب المرآة أكثر من وجهها، فهي الآن تشد رموشها.

نظرت إلى الساعة، مازال على محطتي خمسُ دقائق، هذه المحطة قبل محطتي، في العادة لا يصعد ولا ينزل إليها أحد، لكن المترو عليه التوقف في كل محطة، والانتظار. وعبر الزجاج بدأ الصباح يعلن عن حضوره بخط ضوئي على رأس الأشجار، بينما السماء أعلاه داكنة.

جمعت إلي حقيبتي ومعطفي، فالتفتت إليها، كانت تدهن يديها، ثم سحبت قنينة عطر من حقيبة يدها ورشت منها عند رسغها ورقبتها، ومالت حيث سمعت خرخشة الكيس البلاستيكي وصوت السّحاب يحكمه.

بدأت تلوح محطتي من بعيد، الرحلة اليومية تقارب الانتهاء، وصوت الطائرات يقترب أكثر، ثمة أضواء لإحداها أقدر إنها تناور للنزول. بدأ المترو يخفف من سرعته للتوقف. نهضت من كرسي واتجهت للباب، لكن صوتاً استوقفني:
- لو سمحت؟.
الصوت جاء من الخلف ناعماً، إنه لجارتي الوحيدة في العربة، التفتت:
- نعم، كيف يمكنني مساعدتك؟
أجابت:
- شكراً، أريد أن أتأكد من مظهري، فأنا أستعدُّ لمقابلة.

المترو يكاد يقف، ووجها أظنه يحتاج مني الكثير لتأمل تفاصيله، والخلاص من تفاصيله الدقيقة، استفقت على سؤالها:
- كيف تراني؟.
- آه، نعم، ماذا؟

ابتسمت، فانغلقت عينيها في لقطة ذكرتني بأبطال الرسوم المتحركة، المترو توقف، تماماً ومن خلال لوح الزجاج رأيت أحد الزملاء يعبر الرصيف، ربما التفت إلي، ربما غمزني وهو يميل على صديقه ويبتسم.
- كيف تراني؟

عيناها مغمضتان، والمترو أطلق منبهه مؤذناً بتحركه. شدتني من يدي:
- سأنزل المحطة القادمة؟، قل لي.

محطتي فاتت، وسأحتاج خمس عشر دقيقة للعودة لمحطتي، استسلمت ليديها، وجلست على الكرسي قبالتها، وأشرت:
- شفتاك!

فمدتهما باستغراب، محاولة النظر إليهما.
- سيدتي، لقد نسيت أن تضعي طلاء الشفاه.
- حقيقة، أأنت متأكد!!

المترو يقترب من محطته، كل ما أريده الآن القفز إلى الرصيف المقابل.

وقفت إلى الباب، بينما كنت أستمع لخرخشة الكيس البلاستيكي. من على الرصيف، راقبتها ترفع المرآة وأصبع اللون إلى شفتيها.

نيوكسل: 29.12.2008

ليست هناك تعليقات: