شــرمــولــة .. الكاتب الليبي محمد الاصفر " الحلقة الاولة "




" قال الشيخ رحمة الله عليه :
سمعت من أبي الحسين الدراج قال :
ذهبت يوماً مع جامعة من المشايخ إلى بستان على سبيل النزهة ، وأرادوا أن ينضجوا طعاماً ، فأشاروا إلى قائلين : كن أنت الطباخ ، فوضعت القدر على النار ، ولم أضع عليه غطاءة ، وكان القوم جميعاً صائمين ، وحينما دخل المغرب أردت أن اغرف الطعام ، فجاء طائر يقال له الحدأة ، وقصد أن يلقي بنفسه في القدر ، وأخذت ادفعه فلم يتيسر لي ذلك ، فانضم إلىّ الأخوان ، فلم يبتعد مهما فعلنا ، حتى انتصر في النهاية وألقى بنفسه في القدر ، ومات في الحال ، فاهرقنا ما في القدر فرأينا أفعى كانت في ذلك القدر مطبوخة ومهترئة ، فتعجب المشايخ جميعاً ، وظهرت لهم أحوال ورقائق ، ثم رأوا من الصواب أن يكفنوا الطويئر المسكين ويصلوا عليه ويدفنوه وكذلك فعلوا "

أبو عبدالله محمد بن خفيف الشيراري ( سيرة الشيخ الكبير ).

ورد في لسان العرب لابن منظور أن كلمة شرمولة لفظة عربية محرفة عن كلمة ثرمولة والتي تعني ثرمل الشيء أي أعدَّه على عجل ولم ينضجه .

الشرمولة قوت البسطاء .. أكلة المصطافين على شواطيء الفرح .. أكلة فّـواحة طازجة : طماطم .. فلفل .. خيار .. بصل .. ثوم .. ملح .. مع زيت ذرة أو زيتون .



تقطّع الخضر صغيرا صغيرا .. تهرس باليد أو بكعب قـنـينـة نظيف .. يضاف المناسب من الزيت والملح والماء .. يـتواصل الهرس جيدا ليستحيل الهريس إلى اللون الطماطمي .. تـتخلله خضرة الخيار والفلفل ويُـبرقشه بياض البصل والثوم .
أرغفة ساخنة يغمسونها في الشرمولة ويكون الأمر مُبحبحا بهيجا إن كانت أرغفة تـنـّـور .
يأكلون .. يـثرثرون .. يناولون بعضهم كسر الخبز وأصابع الفلفل لراغبي الحار .. أكلة اللمّة والمودّة هي .. أكلة الحب والمرح هي .. لم آكل في حياتي شرمولة منفردا أبدا .. دائما معي آخر أو آخرين .
أحيانا نخلط الشرمولة ببعض التونة ونرمي على سطحها الخاثر حفنة زيتون .. أحيانا نـزيـنها بوريقات نعناع أو حبق أو شريحة ليمون .
الشرمولة دائما نأكلها في الصيف .. نعقبها بأبراج الدلاع والبطيخ .. بعدها نرشف الشاي المكشكش أو نتجرع المشاريب الباردة ومن ثمّ ندخن الرياضي أو نـنف .. ونستغرق في سرد الطُرف والمُلح والحكايا متجشئين خضرنا .. زيتـنا .. ملحنا .. ماءنا .. خبزنا .. هواءنا .. حامدين الله .. متأملين أفقنا الممتد .. ناسجين أحلامنا البسيطة كشرمولتـنا طعام لـّمتـنا وعنوان محبتـنا الودود .
الشرمولة قوت البسطاء .. لحم التونة والزيتون لا نضيفهما إليها إلا في الأحلام أو في أول كل شهر حيث يدغدغنا المرتب الهزيل .
أكلُ الشرمولة وفي فمي معارك .. وفي أذني عرائض وفي أنفي رائحة حريق وفي عيني دمع ذرّفـنـيهِ زفير البصل ونفاذة الثوم
الطماطم له مشكلة مع الفلفل
الخيار مع البصل
الثوم مع الزيت
الملح معهم كلهم وكلهم مع الخبز ومع اليد التي سحـقتهم في القصعة وجبة للمتبرزين .
البذور لا ترغب في الموت .. ترفض أن تطحن وتسحق وتهضم .. البذور تريد أن تـنبت في تربة غير تربة اللحم والدم .
الشرمولة قوت البسطاء .. الخضروات نسحقها بقبضتـنا أو بكعب قـنينة زجاجية فارغة .. نكبب عليها زيتا بارد الوجه وملحا أجاجا واغراً للجروح .. ثم نتذوّق إصبعنا بلذة يعلنها تلمظ الشفتين .
إن كانت مالحة نزيدها ماء
إن كانت ( صامتة ) نزيدها ملحا
وإن كانت حارّة ( تبلفـط ) فقليل من الزيت
الشرمولة قوت البسطاء
والبذور في قلوب الخضر لا يمكن تحييدها أو تجفيفها في الشمس ..
الشرمولة التي خضرها بدون بذور شرمولة زائفة .. شرمولة صوبات زجاجية .. شرمولة بلاستيك ميت .. نلوكها بمضض المضض .. نلوكها من الجوع فقط .. وعندما نزدردها نشعر بالجفاف .. بالحرقان .. بالعقم والعنـّة والموت .

ليست هناك تعليقات: