العودة المحزنة الى البحر .. الصادق النيهوم . الحلقة الثالثة 3


العودة المحزنة الى البحر

الحلقة الثالثة

الرجل الأمريكي

تقرير مترجم عن " رالف وينتر "

(3)

مستر ( أتشوك ) عمره 44 سنة ولكنه ما يزال يبدو مثل تمثال برونزي متناسق البناء .. 

يملك بيتاً عصرياً في ضاحية ( سان فرناندو ) بمدينة لوس أنجيلوس مزود بحوض للسباحة وملعب للتنس ..
ولديـه يخت شراعي في مرفأ ( مارينا دي رافي ) وزوجة شقراء وولدان وعربتان في جاراج البيت . 
والمستر أتشوك يعمل مهندساً في إحدى الشركات التي تقوم ببناء الأقمار الصناعية لحساب الجيش الأمريكي . 
عمل معقد ، أليس كذلك ؟ .. 
يستمر أحياناً حتى بعد منتصف الليل خصوصاً إذا حدثت صعوبات مفاجئة أمام 



الفريق الذي يرأسه مستر أتشوك في أحد أقسام تطوير الأجهزة الإلكترونية ، ولكنه يحب عمله على أي حال ويحب أن يحل مشاكله التكنولوجية التي تبدو بالنسبة له مجرد تحديات صغيرة لقدراته العلمية غير المحدودة ، ثم أنه - إلى جانب ذلك - يتقاضى راتباً معقولاً يصل إلى ستة وثلاثين ألف دولار في السنة .. 
مستر أتشوك - بكلمة واحدة - رجل أمريكي مثالي من جميع الوجوه .. 
وهو ينهض مبكراً كل يوم ويقفز في حوض السباحة المقام أمام البيت ويسبح عشرين دقيقة كاملة لكي يحافظ على لياقته البدنية ، إلى جانب مباريات الجولف في عطلة الأسبوع والتمرينات الخاصة التي يعذب بها نفسه في البدروم بين أدوات رفع الأثقال ورمي الجلة ونط الحبل .. 
والمستر أتشوك يفعل ذلك لأنه يعرف أن عليه أن يحافظ على لياقته البدنية إذا كان يريد أن يحتفظ بعمله . 
فالمدينة مليئة بالمهندسين صغار السن الذين يستطيعون أن يحلوا محله في أي وقت إذا رأت الشركة أنه لم يعد قادراً على القيام بأعباء عمله المرهق ، وميدان المنافسة بين الشركات في لوس أنجيلوس لا يسمح قط بمراعاة شئ آخر سوى تأدية العمل المطلوب بالكفاءة المطلوبة في الوقت المطلوب . 
ولكن المستر أتشوك ما يزال في حالة جيدة ، وما يزال قادراً على نط الحبل خمس دقائق كاملة بلا توقف ، وما يزال يحس بأن أحداً من المهندسين صغار السن الذين يعملون تحت قيادته لا يعرف عن الأقمار الصناعية أكثر منه ، رغم أن هؤلاء المهندسين - في الواقع - قد وصلوا حديثاً من الجامعة وتلقوا تدريباً أفضل كثيراً مما تلقي المستر أتشوك . 

على أي حال .

لقد مضي كل شئ في طريقه المرسوم بضع سنوات متوالية .
وأطلقت الولايات المتحدة مجموعة من سفن الفضاء التي شارك المستر أتشوك في صنعها مع مئات الألوف من المهندسين الآخرين ، وأستقبل العالم سفن الفضاء الأمريكية بالتصفيق والذهول ، وكتبت عنها الصحف في كل اللغات بالخطوط الحمراء .. ولكن أحداً لم يكتب شيئاً عن المستر أتشوك . 
حسناً ..
لقد جاء ذلك الرجل الناجح إلى مقر عمله ذات يوم بعد أن سبح عشرين دقيقة كاملة في حوض السباحة الخاص ، واستدعاه مدير الشركة إلى مكتبة وقدم له كأساً من المارتيني ثم قال له بالحرف الواحد : ( أنا أعتقد أننا مضطرون للاستغناء عن خدماتك لأننا نزمع أن نعيد بناء الأقسام بطريقة أخرى وسوف ندمج فريقك للعمل مع فريق مشابه في قسم الأجهزة الإلكترونية .. أن علينا أن نضغط مصروفاتنا أمام الارتفاع المطرد في النفقات وندرة العقود الحكومية ، وقد أسعدنا أن نعمل معك طوال هذه المدة .. 
ولكننا لم نعد نملك الآن فرصة للاستفادة من خدماتك) . 
ثم صافحه مدير الشركة وربت على كتفه وحاول معه بضع نكات قديمة غير مقنعة ولكن المقابلة كانت قد انتهت وكان المستر أتشوك قد فقد عمله على أي حال .
وفي اليوم التالي لم يسبح المستر أتشوك عشرين دقيقة في حوض السباحة الخاص ، ولم ينهض من فراشه على الإطلاق .
لقد ظل نائماً حتى الساعة العاشرة ثم تناول إفطاره في غرفة الجلوس وقرأ بضع مقالات في مجلة ( بلاي بوي ) .
وعند الظهر فعل المستر أتشوك شيئاً سخيفاً لم يفعله قط طوال حياته الماضية . لقد شرب وحده نصف زجاجة من الويسكي .
وشرب بعد ذلك النصف الباقي .
وفي عطلة الأسبوع شرب مرة أخرى وتشاجر مع زوجته الشقراء بشأن العطل الذي أصاب جهاز التدفئة في غرفة الجلوس . 
وقد فقدت السيدة أعصابها خلال المشاجرة ودعت زوجها ( خنزيراً فظيعاً خائباً لا يستطيع أن يجد لنفسه عملاً يشغله سوى لعق زجاجة الويسكي ) .
ثم قالت له أيضاً أنها نادمة على الزواج منه . 
حسناً لقد كانت السيدة سيئة المزاج إلى حد ما ، وكانت تعرف أن المرء عندما يفقد عمله في الولايات المتحدة يفقد في الواقع كل شئ . وقد وهبت نفسها لتقريع المستر أتشوك طوال الأسبوع الأول ثم اكتشفت ذات يوم أن شعره الأسود قد استحال إلى شعلة بيضاء واحدة من الشيب واكتشفت بالطبع أن المستر أتشوك كان يصبغ شعره مقابل خمسة عشر دولاراً للجلسة الواحدة ، وأنه كان يفعل ذلك لكي لا يلاحظ أحد في الشركة أنه أصبح رجلاً عجوزاً .
وكما يحدث عادة في معظم البيوت الأمريكية السعيدة اتصلت السيدة بالطبيب النفساني وأخبرته أن زوجها مصاب ( بعقدة نفسية ) وأنه يصبغ شعره ويسكر بنهم ( ولا يريد أن يعمل شيئاً آخر على الإطلاق بما في ذلك إطعام " أطفاله " سوى أن يستلقي على ظهره في غرفة الجلوس ويفرغ زجاجات الويسكي .. ) .. 
وكان المستر أتشوك - في الواقع - يملك أكثر من حاجته من الثروة ، وكان حسابه في البنك ما يزال كبيراً إلى حد يبعث على الاطمئنان ، وكان ( أطفاله ) ينالون أفضل طعام ممكن في العالم بأسره إلى جانب أن كل واحد منهم كان يملك عربة سبورت خاصة به ، ولكن ذلك كله لا يعني شيئاً في الولايات المتحدة ما دام المرء قد فقد عمله . 
وكانت السيدة تعرف هذه الحقيقة بطريقة خالية من الشك . 
وجاء المسـتر أتشوك إلى عيادة الطبيب النفساني وأستلقي على ظهره فوق ( الكوتش ) وطفق ينتحب مثل طفل في الخامسة من عمره ثم قال للطبيب : ( أنا بائس وتعس وأريد أن أموت . لقد فقدت عملي ولم يعد لدي ثمة ما أفعله هنا وأريد أن أموت . 
أن ( الرجل لا ينقذه سوى الموت إذا فقد " عمله " .. وأنا فقدت عملي وأريد أن أموت ) .. كان المستر أتشوك الذي يبدو مثل تمثال برونزي متناسق البناء في حالة مزرية . 
وكان التغير المفاجئ الذي حدث في حياته يبدو فظيعاً إلى حد لا يمكن تصديقه . فالرجل السعيد الممتلئ ثقة بنفسه أصبح الآن - خلال أسبوع واحد بدون عمل - مجرد عجوز محطم القلب تخنقه وحدته في بيته العصري تحت رعاية زوجته العصرية . 
ولم يعد يسبح عشرين دقيقة في حوض السباحة الخاص ، ولم يعد يسبح دقيقة واحدة ، ولم يعد يذهب للعب الجولف أو نط الحبل في البدروم .
ولم يعد يذهب لكي يصبغ شعره أيضاً .. لقد أنتهي كلية خلال أسبوع واحد رغم أن حسابه في البنك ما يزال يضم في الواقع مجموعة من الأرقام التي تبعث على الثقة . 
وسأله الطبيب النفساني عن ثروته ، فأشاح المستر أتشوك بوجهه وقال بجفاء : ( نصف مليون دولار .. هذا كل ما أملكه .. لقد فقدت عملي مبكراً جداً .. أنني لم أتصور أن الشركة تستطيع أن تتخلى عني .. يا إلهي ماذا أستطيع أن أفعل ؟ . أنا أريد أن أموت ، هذا كل ما أستطيع أن أفعله ) .. 
وأعطاه الطبيب علبة من الحبوب المهدئة للأعصاب ، وأعطاه أيضاً محاضرة طويلة عن خرافة ( الثقة بالنفس بدون عمل وقال له أن ثروته الحالية لا يمكن إنفاقها خلال الخمسين عاماً القادمة وأنه يستطيع أن يعود إلى السباحة عشرين دقيقة هادئ البال ويستطيع أن يعود لنط الحبل وممارسة حياته بالطريقة التي تحلو له لأن ذلك من حقه ولأنه عمل بما فيه الكفاية طوال حياته الماضية ولم يعد ثمة ما يمنعه من الاستمتاع بالراحة ) .. وهز المستر أتشوك رأسه بمرارة وغادر عيادة الطبيب إلى غرفة الجلوس مباشرة ، وشرب هناك زجاجة كاملة من الويسكي ثم تورط في مشاجرة مع زوجته التي كانت تطالبه بتغيير عربتها إلى موديل جديد وقال لها بالحرف الواحد : ( أنت عاهرة خرقاء مزرية لا تعرف شيئاً في هذا العالم سوى أن تنفق نقود زوجها العاطل عن العمل ) .. حسناً .. لقد كان المستر أتشوك مخموراً إلى حد غير لائق ، وكان بوسعه في الواقع - أن يستبدل عربة زوجته - إذا كان ذلك ضرورياً حقاً - دون أن يصاب بالفقر .. 
ولكن المرء لابد أن يعرف أولاً ماذا يعني البقاء بدون عمل في الولايات المتحدة لكي يفهم موقف المستر أتشوك القاسي تجاه السيدة زوجته .. 
وفي المساء استمرت المشاجرة حول جهاز التلفزيون فيما كان الزوجان السعيدان يشاهدان أحد أفلام رعاة البقر .

في أمريكا الحديثة لم يعد ثمة أثر لرعاة البقر ، ولم يعد القانون الغابي الذي ساد مبارزات الغرب يظفر بالاهتمام ولكن أمريكا تملك الآن قانوناً آخر أكثر إيغالاً في الضراوة . 

تملك الصراع من أجل (الدولار) من أجل ( العمل ) .. من أجل ( حركة الآلة إلى الأمام ) .. 
وهذا الصراع المشوق لا يبدو أقل إثارة من مبارزات رعاة البقر في الغرب الهمجي . أنه - في الواقع - أكثر ضراوة وأكثر عمقاً ونتانة من أي قانون آخر عرفته أية حضارة أخرى في التاريخ .. وليس ثمة أحد هنا لا يخضع له ، وليس ثمة أحد يحس بالأمن إلى جانبه . أن المستر أتشوك - الذي يجلس في بيته العصري بجانب زوجته العصرية - يعرف ذلك بالضبط ، ويعرف أن إحساسه الهائل بالرعب لا يقل بأي حال عن إحساس راعي البقر البائس الذي يظهر فوق شاشة التلفزيون الآن فاقداً رشده كلية تحت ضربات ( الشريف ) في صالون القرية . 
وراقب المستر أتشوك راعي البقر المطروح على الأرض في هدوء ، ثم صعد إلى غرفته وأستلقي على السرير وأفرغ مسدسه في أذنه .
لقد أنتحر المستر أتشوك عند الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 13 أبريل من هذا العام ونشر الخبر في الصحيفة المحلية بهذه الصيغة تقريباً ، وتمت مراسيم الدفن بطريقة تليق بأي مواطن أمريكي يملك نصف مليون دولار . 
هذه قصة مواطن أمريكي في الزحام .. قصة غير واضحة تماماً بالنسبة للقارئ الليبي الذي لا يستطيع أن يتصور تفاصيل الشيء الفظيع في داخل المستر أتشوك ، ذلك الوحش غير المرئي الحافل بالمرارة واليأس الذي يحدث في صدر إنسان سعيد من جميع الوجوه ويتركه يحطم رأسه برصاص مسدسه .

ولكنها في أمريكا قصة عادية تتكرر كل يوم ...
يتبع ...
ليبيا غير متواجد حالياً  

ليست هناك تعليقات: