العودة المحزنة الى البحر .. الصادق النيهوم . الحلقة الثانية (2)


العودة المحزنة الى البحر
الحلقة الثانية

بداية الطريق

(2)


‏مرة أخرى - وبرغبة متعمدة في التكرار - ماذا تعني كلمة "الكفاءة " ؟ 

.. الإجابة المباشر أنها
( الهدف النهائي للحضارة) ، أي نقطة الانطلاق الذي لا يتوقف أبداً على طريق التطور . 

ولكن هذا اللغز نفسه في حاجة إلى شرح ، فالمرء لا يرى أصلاً ماذا تعني كلمة التطور .
وأنا أختار هنا وسيلة المقارنة لتحديد هذه الكلمات المعقدة في تاريخنا المعاصر ، وأدعوكم إلى أن تضعوا كل شئ جانباً وتبحثوا برتابة عن ( الفرق ) الحقيقي بين 



إنسان القرن العشرين وبين أي فلاح مصري عاش في عصر الأهرام . 
الفرق بالطبع لابد أن يظهر بوضوح ، ولابد أن يلمسه المرء بأصابعه أيضاً إذا قرر مثلاً أن يختار قمة الحضارة في هذا القرن ويبدأ المقارنة بين الفلاح المصري مباشرة وبين أي مواطن أمريكي يعيش الآن في لوس أنجيلوس المضاءة بمصابيح النيون . 
والفرق هنا يعني بالضبط ( أربعين قرناً من التطور ) .
أي أربعين قرناً من المحاولة الدائبة لزيادة ( الكفاءة ) البشرية . 
والمرء يستطيع بعد ذلك أن يلمس كل شئ بأصابعه . 
فالفلاح المصري كان يعمل بمحراث تجره الجاموسة والفلاح الأمريكي المعاصر يعمل الآن بمحراث تزيد قوته عن قوة جميع الجواميس التي عاشت في عصر خوفو بأسره . 
والفلاح المصري كان يرحل إلى ( طيبة ) لكي يدفع الضرائب راكباً حماره الرمادي ، والفلاح الأمريكي المعاصر يدفع ضرائبه الآن للعقل الإلكتروني الذي يقع في الطابق الأول من مبني ( الخزينة ) ، ويستطيع أيضاً أن يسافر إلى واشنطن لتقديم شكوى تخص ضرائبه ثم يعود في نفس اليوم رغم أن المسافة - في الواقع - قد تزيد على المسافة بين طيبة وبين قرية الفلاح المصري بنحو خمسة آلاف مرة . 
هذا بالطبع فرق هائل ، ولكنه - مع ذلك - ليس كل الفرق . فالفلاح المصري كان مصاباً بسوء التغذية ، وكان أطفاله يموتون في الغالب خلال العام الأول ، وكان يعيش في مغارة مبنية بالقش ويعمل أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم ويموت مثل بقية الحيوانات في مزرعة سيده .
والفلاح الأمريكي ليس مصاباً بسوء التغذية ، بل أنه - في الواقع - يزيد في حجمه عن أي فلاح آخر في التاريخ ، وهو يظفر برعاية طبية كاملة ويعيش في بيت صحي مزود بجهاز التدفئة ، ويذهب لقضاء أجازته السنوية في جزر الكناري ويستطيع أن يجعل رئيس الجمهورية يفقد مقعدة إذا أكتشف أنه لم يعد يرغب في بقائه .
الفلاح الأمريكي ( يتقدم ) عن الفلاح المصري الذي عاش في عصر الأهرام بمسافة تزيد عن أربعين قرناً . هذا موجز القصة بأسرها . 
وهذا أيضاً ما ندعوه نحن بكلمة غامضة واحدة ( التطور ) . فأين حدث (التطور) على وجه الضبط ؟ ..

في المحراث ؟ ..

في الحمار الرمادي ؟ ..

في جهاز التدفئة ؟ ..

في السكة الحديد ؟ ..

في قوانين التأمين وسحب الثقة من رئيس الجمهورية ؟ ..

في الجرائد اليومية ؟ ..

الإجابة المتوقعة أنه حدث في كل شئ .. ولكن تلك الإجابة ليست على أي حال صحيحة تماماً .

والخطأ الذي تحمله كلف الإنسان كل ما يعانيه الآن في جنته الوهمية .
أن التطور حدث حقاً في كل شئ ما عدا ( جهة ) واحدة واضحة المعالم ظلت دائماً كما هي ، وظلت بدون تغيير من أي نوع . هذه الجهة تكمن في الداخل في صدر الفلاح المصري والأمريكي معاً ، وفي صدر كل إنسان آخر ضمته الحضارات المادية . 
أنها بالضبط (الرغبة ذاتها في تحقيق التطور) ، فالفلاح المصري أيضاً كان يبحث عن محراث أكثر ( كفاءة ) ، وعن منجل أسرع في تأدية خدمة الحصاد ، وعن أي شئ يستطيع أن يضيفه إلى رصيده من ( المواد ) التي تزيد كفاءته . 
وهذه - في الواقع - نفس الرغبة التي دفعت الفلاح الأمريكي إلى اختراع محراثه الحديث واختراع الطائرة والعقل الإلكتروني . 
والتطور يحدث بالطبع في كل شئ يريد الإنسان أن يزيد كفاءته ، ولكنه لا يحدث في نوع هذه الإرادة أبداً إلا في ظروف نادرة .
والقول بأن (التطور) يحدث في كل شئ يدعو إلى تجاهل هذه الحقيقة بطريقة لا تغتفر ، ويجعل المرء يحس بأن ثمة أكذوبة هائلة في تاريخ هذا العالم تنمو بداخله في اطراد لكي تعمل على تدميره في نهاية المطاف إذا عجز من أتلافها في الوقت المناسب … ذلك الإحساس العميق الغور الذي ما فتئ الإنسان يواجهه برهبة منذ أن بدأ يعلق التعاويذ السحرية داخل كهـفه البـدائي لطرد ( الشيطان ) إلى أن بدأ محاولته المعاصرة المتسمة باليأس التي تمثلت في إقامة مبني الأمم المتحدة لتأدية نفس الهدف تقريباً .
أننا نحس بمصادر الشر في العالم .
هذا واضح في كل المجتمعات المتطورة والبدائية على السواء .
ونحس بأن علينا أن نتجنب الوقوع في تلك المصادر بطريقة أو بأخرى . 
والشعوب البدائية تعلق التعاويذ السحرية لتحقيق هذه الغاية ، والشعوب غير البدائية تعمل بالأرقام لرفع مستوى الحياة وزيادة فرص التعليم لنفس الغاية أيضاً ، ولكنها جميعاً تحس بوجود (الشر) وتحس بأنه ليس في طبيعة العالم بل يأتي إليه من الخارج . 
وأن الإنسان يستطيع أن يبني عالماً حقيقياً بدون (الشيطان) .

هذه أذن اللعبة من الداخل . 


وهي في صيغة جديدة أكـثر بساطـة .. مجرد محاولة ( لجعل) الحياة (محتملة ) ، وأنا هنا أريد أن أذكر كلمة أخرى - قديمة مثل الإنسان نفسه تقريباً - تأتي في كل اللغات لتعني أهداف هذه المحاولة في صيغة واحدة (البحث عن السعادة) . الهدف النهائي والعظيم والخالد .. هو السعادة .
والهدف الأصلي في الواقع هو غريزة حب البقاء السعيد . 
وهنا يتحرك المرء عند منقطة الصفر في اتجاه لا شئ تقريباً .
ويبدو العالم بأسره غير مجد إلى حد كاف .
ولكن الحقائق المسطحة تبقي صامدة إلى النهاية .
إن الإنسان قد جاء إلى هنا لكي يبقي ولديه أيضاً كل ما يحتاجه لتأمين هذا البقاء ضد معظم أعدائه . 
ولكن البقاء وحده لا يكفي الإنسان أنه يريد أن يؤدي تلك المهمة الشاقة دون حاجة إلى الألم . 
يريد أن يتجنب معاناة الوجود نفسه .. يريد - بكلمة بسيطة أخرى - أن ( يعيش ) أولاً ، ثم .. ( يعيش سعيداً ) .. والإنسان من أجل ذلك اخترع المحراث بدل أن يحفر الأرض بأظافره ثم وضع وراءه الجاموسة لكي تجره له بدل أن يضطر لجره بنفسه ثم وضع جاموستين ثم صنع محركاً يعادل قوة تسعين جاموسة وما يزال يبحث عن مزيد من المحاريث .
والإنسان يفعل ذلك لكي يحافظ على بقائه أولاً ، ولكي يؤدي هذه المهمة بأكبر قدر من الكفاءة أي بأقل قدر من الإرهاق وهذا كله يدعوه المرء في القاموس ( بالتطور ) من باب الإيجاز ولكنه في الواقع ليس اتجاهاً واحداً فقط .. أنه اتجاهان لتحقيق غاية واحدة . 
الجهة الأولى تطور روحي إلى الداخل والجهة الثانية تطور مادي إلى الخارج . 
وأنا أريد أن أقول ذلك هنا بصيغة أخرى : أن الإنسان جاء ليبقي - كما يقال - وأكتشف بعد ذلك أن البقاء وحده لا يحتمل بل لابد أن يؤدي المرء تلك المهمة بطريقة خاصة خالية من الألم . وقد اكتشف الإنسان اتجاهين مختلفين بطريقة غير أصيلة ، اتجاها للبحث عن السعادة في الداخل ، واتجاها للبحث عن السعادة في العالم وقرر أن يمضي في تجربة هاتين اللعبتين المريعتين عبر كل الحضارات . 
وهو الآن في هذا القرن بالذات - يستطيع أن يلمس بأطراف أصابعه ، ويستطيع أن يتنبأ بمدي الآلم القادم في نهاية المطاف . فالإنسان - بعد أربعين قرناً من البحث عن السعادة - ليس سعيداً ! .. 
والفلاح الأمريكي الذي يتقدم عن الفلاح المصري بأربعة آلاف عام من التطور والحضارة ليس في الواقع أكثر سعادة منه . 
أنهما معاً يعانيان آلام وجودهما بدرجة واحدة من القلق ، وإذا كان ذلك الفلاح القديم مجرد معاناة تاريخية غير محددة فإن الفلاح الأمريكي معاناة في عالمنا المعاصر يستطيع المرء أن يلمسها بأصابعه ويستطيع أيضاً أن يلتقط صورها على حافة الرصيف في مدينة لوس أنجيلوس .أن هذا الإنسان المتطور يعاني من مشاكل وجوده إلى حد لا يطاق .
وهو - رغم كل ما يملكه - لا يستطيع أن ينقذ نفسه من آلام حضارته أكثر مما استطاع ذلك الفلاح المصري القديم أن ينقذ نفسه من ظروف العالم البائسة في عصر الأهرام .. وإذا كان ثمة حقيقة يمكن أن يلمسها المرء حقاً بأصابعه ، فإن معاناة الإنسان المتحضر في الولايات المتحدة هي بالضبط تلك الحقيقة القبيحة . 
وأنا هنا أريد أن أنقلها لكم بالتفصيل .. وأريد أن أعتمد على الترجمة المباشرة من المصادر الأمريكية نفسها لكي لا أتورط في أحد فخاخ الدعاية المعادية . 
وأريد أن أتحدث عن ( الحضارة الكبرى ) التي نبتت خلال هذا العصر في الولايات المتحدة وعن الرجل الأمريكي الذي بناها . 
وأنا أتمني أن أتمكن من تحقيق ذلك قبل أن ينسى أحد ما ، أنني لا أتعرض لأمريكا بالذات إلا باعتبارها القمة الحقيقية لحضارة العالم المعاصرة ، وأنني لا أملك هدفاً أكثر وضوحاً من نقل الواقع في أقرب صورة إلى الأصالة . 
وموجز اللعبة بأسرها أن حضارة أمريكا جاءت لتحقيق حلم إنساني عظيم في ( جعل الحياة محتملة ) بزيادة عنصر الكفاءة في قوة المحراث وقوة الحمار الرمادي وقوة موس الحلاقة وقوة القوانين والأفكار والخطط . 
وحضارة أمريكا حققت شوطاً طويلاً جداً في هذا الطريق المعقد ، وبدأت على وشك أن تشرع في تحقيق بعض المعجزات الخاطفة .

فهل تحقق حلم الإنسان ؟ .
هل اقترب المواطن الأمريكي المعاصر الذي يملك القوة والكفاءة خطوة واحدة نحو هدفه النهائي ؟ ..
أنا أعتقد أنه ليس ثمة إجابة أفضل من أن يعرض المرء هنا نموذجاً كاملاً لمواطن أمريكي في الزحام .

ليست هناك تعليقات: