العودة المحزنة الى البحر .. الصادق النيهوم . الحلقة الأولى (1)

العودة المحزنة الى البحر

الحلقة الأولى
(1)


السؤال المسطح الذي يلهث العالم وراء إجابته 
طوله في الواقع أربع كلمات = 
(ماذا يحدث لحضارة أمريكا ؟ ) ..

والمرء يتصور بالطبع إن ذلك يخص الأمريكيين وحدهم ، وأن الإجابة الصحيحة لابد أن تصل من الداخل ، 
ولكن أمريكا أيضا لا تعرف إجابة محددة .. 
إنها تعاني مرضاً غامضاً مميتاً بعيد الغور يستطيع المرء أن يسمعه يتنفس في كل المدن المنسقة الشوارع ، ولكنه لا يستطيع أن يعرف كنهه قط .



مرض يشبه رائحة جثة غير مرئية تتعفن في مكان ما من ذلك العالم المترامي الأطراف ، ولا يعرف أحد مكانها بالضبط . 
وحضارة أمريكا تجربة فريدة في تاريخ العالم المادي .
أنها قمة المحاولة التي بدأت منذ بضعة آلاف من السنين لحل مشاكل الإنسان المادية بزيادة الإنتاج وتحسين الصنف وهي أيضاً نقطة النهاية التي وصلت إليها الأحلام الإنسانية القديمة بتوفير أكبر قدر من ( الحرية ) داخل أكبر قدر من فرص النظام (الديمقراطي) لتحقيق الغايات النهائية للرخاء .
فليس ثمة شعب آخر - في تاريخ العالم بأسره - بنى حضارة متكاملة نظرياً كما فعل الشعب الأمريكي وليس ثمة شعب أيضاً حقق أسطورة (الكفاءة ) المادية كما تتحقق الآن في الآلة الفولاذية المجنونة التي تدور بلا توقف في مدن الولايات المتحدة .
أن ( الكفاءة ) كانت الهدف الحقيقي لكل الحضارات منذ أن أكتشف الإنسان - في إحدى لحظاته المشحونة باليأس - أنه لا يستطيع أن ينال حاجته من الغذاء باصطياد الأرنب البري إلا إذا تعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من ذلك الأرنب .
وقد بدأ الإنسان فاخترع السهم ، واصطاد به أرنباً برياً .
و اكتشف إذ ذاك أن السهم يستطيع أن ينطلق بسرعة أكثر ، ويضرب بدقة أكثر ، وأن بوسعه أن يقف في مكانه ويتركه ينطلق وراء الصيد دون أن يكلف نفسه مشقة الجري .
وصنع الإنسان كثيراً من السهام ، وتعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من الحيوانات البرية التي لا تعرف كيف تزيد كفاءتـها عن الحد الطبيعي ، ولكـن الإنسـان تـورط أيـضاً في صراع غـير متوقـع مع بقية الصيادين .
فجودة السلاح تعني وفرة الطعام ، ووفرة الطعام تعني زيادة مطردة في النسل ، وقد تزايد هذا الجنس الكفء وطفق يزحم معظم المناطق حتى أصبح السهم سلاحاً قديماً مفتقراً إلى الكفاءة التي يتطلبها صراع المنافسة .. وصنع الإنسان بندقية .
وصنع أشياء 
كثيرة أخرى .. وظل طوال تاريخه الحضاري يجـري بـلا توقـف وراء تحقيق مزيد من (الكفاءة) في كل اتجاه عبر تلك اللعبة القديمة المشحونة بالأشعار والفلسفة التي تدعي (بالتطور) .
وأنا أريد أن ألفت النظر هنا إلى أن كلمة الكفاءة معناها في الواقع زيادة القدرات المادية وحدها ، وهي منحة لا يتميز بها سوى الإنسان العاقل ، فالحيوانات لا تستطيع أن تزيد كفاءتها في الجري أو في مصادر القوة إلا بمقدار ضئيل للغاية ، أما الإنسان فأنه يستطيع أن يتحرك بسرعة ألف ميل في الساعة ويستطيع أيضاً أن يرفع معبد أبي سنبل من مكانه .
وهذه - في الواقع - لعبة التطور من الداخل .. أنها مجرد سعي متصل لتحقيق مزيد من ( الكفاءة ) خارج جدران الطبيعة الصلدة ، وليس ثمة شئ واحد في حضارات العالم لم يتم بناؤه لهذا الغرض سوى الديانات المقدسة .
فالدين لم يأت لزيادة قوة الإنسان المادية بل لإرشادها ، رغم أنه خضع دائماً لعمليات التشويه المباشرة من قبل رجال الدين ، أما بقية الأفكار التي نضجت في تاريخ الحضارة الإنسانية فقد ظلت على الدوام مصدر أمل غامر في زيادة ( الفعالية ) الإنسانية تجاه العالم المادي .
وأنا أتعمد هنا 
أن أغفل مهمة الفن ، لأنني - في الواقع - أعتبر ذلك في أكثر صوره أصالةجزءاً من الاتوبيا الكلية المتمثلة في الدين . فالإنسان حيوان يبحث عن الله ..
أن ذلك - فيما يبدو - هو الغاية النهائية للوجود بأسره ، والمرء لا يستطيع أن يجد تفسيراً أكثر إقناعاً لظاهرة الفن في العالم ، ولكن المرء أيضاً يستطيع أن يقول بهدوء أن الحضارات الإنسانية التي عرفها التاريخ حتى الآن لم توفق قط بين هذه الغاية وبين فخ الكفاءة المادية . فالصراع يبدأ دائماً في الوقت المناسب ويجعل الدين أو الفن يتأخر إلى المرتبة الثانية لكي تحت ( الكفاءة ) المرتبة الأولي .
وقد حدث ذلك بعد بضعة أعوام من نزول التوراة ، و حدث بعد 

بضعة أعوام من تبني الدولة الرومانية للدين المسيحي وحدث بعد عشرين عاماً فقط من نزول القرآن ، وتمخض دائماً عن قيام هيئات سياسية خاصة تهدف بصورة ما إلى تحقيق مزيد من ( الفعالية ) المادية .
فالإنسان تأكله المادة عبر ذعره الطبيعي من تهديد بقائه .. والإنسان بتنازعه عالمان متناقضان إلى حد مذهل ، أحدهما يجره إلى السماء بقلبه والآخر يربطه إلى الأرض بقدميه وقد أثبت في فترات متباعدة أنه يستطيع أن يحقق صعوده إلى 

أعلى ولكنه في أغلب الأحيان ظل سجين أحلامه المتناهية البساطة ، وظل يلهث وراء مزيد من ( الكفاءة ) المادية ، مدفوعاً برغبة جامحة في تحقيق مستوي الحياة الأفضل ، وامتلاك الأسلحة الأفضل ، والجلوس في أقرب مكان ممكن إلى جنته الوهمية .
وقد عملت الحضارات في هذا الاتجاه وحده سبعة آلاف عام بلا إنقطاع .. وتم تطوير كل الأدوات البسيطة والنافعة التى وضعها الإنسان في سباق مع الزمن ، وأصبحت الميزة الحقيقية لكل عصر جديد أن
( يخترع ) مزيداً من الأدوات الأكثر كفاءة ويضع الأدوات القديمة في المتحف .
فالمحراث البسيط الصنع الذي ظلت الثيران تجره في حضارة مصر الفرعونية 
يبدو بجانب المحاريث الميكانيكية العالية الكفاءة في حضارتنا المعاصرة مجرد لعبة لا جدوى من ورائها .
ومع ذلك فإن الفرق الوحيد بين هاتين الآلتين لا يزال في الواقع مجرد فرق في مقدار الكفاءة .
فالحضارة تمشي في اتجاه واحد على خط مستقيم ، وليس ثمة ما يفصل بين أية نقطة على الطريق وبين النقطة التالية سوى المسافة نفسها . أن التطور لا يحدث في داخل الإنسان إلا بمقدار ضئيل للغاية ، ولكنه يحدث خارجه بوضوح يعادل الفرق بين عربات رمسيس التي تجرها الأحصنة في مقدمة الجيش وبين الدبابات الفظيعة التي تؤدي الآن نفس المهمة في أدغال فيتنام *.
أما هدف الحرب نفسه فإنه لم يتغير .
وهذا كل ما لدينا حتى الآن .. مجرد محاولة متصلة لإيجاد آلة أفضل تؤدي مهمتها في خدمة أغراضنا بفعالية أكثر من الآلة السابقة ، والمرء بالطبع لا يعني هنا أن ذلك كله كان ضد مصلحة الإنسان ، فالواقـع أن هذا الحكم من مهمة الله وحده ، ولكن المرء يستطيع أن يعلن بثقة أن لعبة ( الكفاءة ) التي ظلت تمد حضاراتنا بالأهداف والقيم وظلت المصدر الحقيقي لتطور عالمنا المعاصر في ميدان الآلة لم تثبت حتى الآن أنها تستطيع أن تتجنب الخطأ النهائي القاتل وتطوي الإنسان نفسه تحت جناحها الأسود باعتبارها مجرد آلة ملزمة بالتطور المادي .أن ( الكفاءة ) هي هدف الحضارة ولكنها ليست هدف الإنسان .. والكتب المقدسة تقرر هذه الحقيقة في بساطه متناهية تدعو المرء إلى أن يتذكر على الفور الرمز 
القديم المشحون بالخوف وإظهار الرفض الذي تعلم الإنسان - قبل أن يغادر كهفه الحجري - أن يدعوه بأسم ( الشيطان ) .
فهذا المخلوق الناري المليء بالنوايا السيئة لا يتسبب في إيذاء أحد إيذاء مباشراً ولكنه يقوده على الدوام إلى حتفه النهائي ، وذلك بالضبط ما فعلته نظرية الكفاءة في جميع الحضارات .
أنها تأخذ بيد الإنسان إلى الجحيم .. وتتحرك تحت السطح اللامع في صلادة مطلقة جنباً إلى جنب مع رغبة الإنسان نفسه في تحقيق الشيء المادي الأفضل ثم تأخذ بخناقه ذات يوم ويكتشف في قبضتـها أن 
( الشيطان ) قد خدعه دون أن يدري .
وفي الولايات المتحدة حدث ذلك بصورة واضحة إلى حد لا يطاق .. وبدأ الإنسان الأمريكي يلمس الشيطان بأطراف أصابعه عبر محنته غير المتوقعة في مدن أمريكا النظيفة المنسقة الشوارع وأعلن برتراند راسل في لهجة رثاء لا يخطئها السمع أن الحضارة المعاصرة قد وقعت مرة أخرى فريسة المرض القديم الغامض العميق الغور الذي وجدهالإنسان في طريقه منذ أن تعلم المشي في مصر الفرعونية ثم أعلن بعد ذلك أنه ليس ثمة مفر من ( السقوط ) .
فماذا حدث بالتفصيل ؟
أنا أعتقد أن الأمر يمكن تتبعه بيسر مطلق ، وأعتقد أن كلمة ( الكفاءة ) تستطيع أن تعمل بمثابة مفتاح موثوق به لحل معظم أجزاء هذا اللغز .

ولكن ذلك سوف يحتاج إلى بعض الوقت .. 
يتبع ....

ليست هناك تعليقات: